فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 102

خضعت الجماعات منذ بزغ فجر المدنية لتأثير الأوهام، فأقامت لموجديها أكثر التماثيل

والهياكل والمعابد، وما من حضارة تبلَّج صبحُها فوق ظهر الأرض إلا وكانت تلك الملوك

الهائلة في طليعة جيوشها. أريد المعتقدات الدينية قديمًا والسياسية والاجتماعية في هذه

الأيام هي التي شيدت هياكل الكلدان ومصر، وأقامت المساجد والبيع في القرون الوسطى،

وهي التي قلبت القارة الأوروبية من الرأس إلى القدم منذ مائة عام وخاتمها مطبوع

في جبين كل ما أبرزه العقل من المستحدثات الفنية أو السياسية أو الاجتماعية يهدمها

الإنسان أحيانًا، ولكنه يعاني في ذلك هول الانقلاب العنيس، ثم هو محكوم عليه دائمًا

أن يقيمها من جديد، فلولا هي ما خرج من بربرته الأولى، ولولا هي لراح مسرعًا يتخبط

في أودية الخشونة والتوحش، نعم هي خيالات باطلة، وهي من نبات الأحلام، ولكنها هي

التي ساقت الأمم إلى إيجاد ما في الفنون من رفيع وجميل، وما في الحضارة من عظيم

وجليل.

قال (دانيال روزيار) : لو أبيد ما في دور العاديات، أو ما في المكتبات العمومية،

وكسرت فوق بلاط مماشيها جميع التحف والآثار الفخمة التي أبدعتها الفنون والأديان؛

ما بقي في العالم شيء مما ولدته الأحلام، وما كانت الآلهة والأبطال ولا الشعراء إلا

لتحدث في النفوس شيئًا من الرجال وبعضًا من الخيال، إذ لا حياة للناس بغير الأمل

والرجاء. حمل العلم هذه الأمانة الثقيلة خمسين عامًا ثم تغلبت عليه قوة الخيال؛ لأنه

أصبح غير قادر على الوعد بأدائها كلها عاجزًا عن الكذب إلى النهاية.

اشتد ولع فلاسفة القرن الماضي بهدم الأوهام الدينية والسياسية والاجتماعية التي

عاش بها آباؤنا قرونًا وأجيالًا، فلما ظهروا عليها كانوا قد سدوا أيضًا منابع الرجاء

وأغلقوا باب احتمال القضاء، وبرزت من خلف الخيال الذي خنقوه قوى الطبيعة العمياء

الصماء التي لا تشفق على الضعفاء ولا تحنو على التعساء.

سارت الفلسفة إلى الأمام شوطًا بعيدًا، ولكنها مع تقدمها لم تهيئ للجماعات خيالًا

يلذها، والجماعات لا غنى لها عن الأوهام، لذلك اندفعت وراء غريزتها وذهبت إلى تجار

البلاغة الذين يبيعونها تجارة حاضرة مثلها كمثل الحشرة تدب حيث يكون الضياء. إن

الحقيقة لم تكن أبدًا العامل الأكبر في تطور الأمم، ولكنه الباطل على الدوام. وإذا بحثت

عن السبب في قوة مذهب الاشتراكية في عصرنا هذا وجدته ما اشتمل عليه من الخيال

الذي لا يزال حيٍّا في العقول، فهو يعظم ويتجسم مع تزاحم أنوار العلم التي تبرهن

على فساده، ذلك لأن قوته آتية من جهل دعاته بحقائق الأشياء جهلًا كافيًا يجرئهم على

وعد الناس بالسعادة في الحياة، والآن أصبح هذا الوهم سائدًا فوق أطلال الزمن الماضي

وله الملك آجلًا، فما كانت الجماعات في ظمأ إلى الحقيقة طول حياتها، وإذا تبدت أمامها

وكانت تغضبها أعرضت ونأت وراحت تعبد الأوهام التي ترضى الإمرة عليها لمن أضلها،

والويل منها لمن هداها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت