فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 102

الفصل الثالث

العدول المحلفون أمام حاكم الجنايات

لما كان لا يتيسر لنا ذِكر جميع أنواع العدول في هذا الكتاب رأينا أن نقتصرعلى أهمها،

وهم العدول المحلفون أمام محاكم الجنايات، وهم أحسن مثال يُمثَّل به للجماعات

المختلفة العناصر التي لها اسم خاص. وإذا بحثنا عن الصفات التي لها نجد قابلية

التأثر، وسيادة المشاعر الغريزية، وضعف التأثر بالمعقول، والانصياع إلى القواد ...

وهكذا، وسنبين أثناء بحثنا في هذه الجماعات بعض الغلطات التي يرتكبها من لم يكن

خبيرًا بعلم روح الجماعات لما في ذلك من الفائدة.

نجد أولًا في العدول المحلفين من حيث القرارات التي يصدرونها مثالًا حسنًا يبين

أن تأثير الأذكياء الذين يوجدون في جماعتهم ضعيف؛ لما تقدم من أنه لا تأثير للعقل

المستنير في رأي الجماعة إذا كان في موضوع غير فني، وأن رأي جمع من العلماء وأهل

الفن في موضوع عام خارج عن علومهم وفنونهم لا يختلف كثيرًا مع رأي جمع من

البنائين أو البدالين في ذلك الموضوع.

كانت الحكومة قبل سنة 1848 تعتني في كثير من الأوقات بانتقاء العدول من

المستنيرين، فتختارهم من بين المدرسين والموظفين ورجال الأدب وأمثالهم، وهم الآن

ينتخبون خصوصًا من صغار الباعة وصغار المحترفين والمستخدمين. وقد اندهش

الكتاب الاختصاصيون إذ دل الإحصاء على تشابه القرارات وإن اختلف تشكيل جماعة

العدول، وأقر القضاة أنفسهم بهذه الحقيقة مع كونهم من أعداء هذا النظام، وإليك ما

كتبه موسيو (بيراردي جلاجر) أحد رؤساء محاكم الجنايات في مفكراته: «أصبح الآن

اختيار العدول في يد نواب المجالس البلدية وهم يرفضون هذا ويقبلون ذاك على حسب

أميالهم السياسية وأحوال الانتخابات، وصارت أغلبية العدول من تجار أقل درجة ممن

كانوا ينتخبونه قبل الآن. ومن مستخدمي بعض المصالح، ومع هذا لم تتغير روح

العدول ولا تزال قراراتهم كما كانت عليه؛ لأن جميع الأفكار تمتزج بجميع المهن في

وظيفة القضاء، ولأن كثيرًا من المنتخبين يجتهدون اجتهاد المؤمن الحديث في الإيمان،

ولأن الطبقة الدنيا لا تخلو من أهل المروءات.»

والذي يهمنا من هذا القول هو النتيجة لصحتها لا المقدمات لضعفها، ولا غرابة في

هذا الضعف لأن المحامين والقضاة لا يعرفون في الغالب روح الجماعات ومنها العدول.

والدليل على ذلك ما ذكره الرئيس المشار إليه من أن (لاشو) وهو من أشهر المحامين

أمام محاكم الجنايات كان لا ينفك عن اختصام جميع العدول المستنيرين. وقد برهنت

التجارب - وما كان لغيرها أن يقيم هذا البرهان - على أن ذلك العمل كان عقيمًا،

حتى إن النيابة والمحاماة تركتا هذه العادة في باريس، ولم تتغير القرارات كما أشار

إليه موسيو» جلاجو «، فلا هي أحسن مما كانت عليه ولا هي أردأ منه.

العدول كغيرهم من الجماعات يتأثرون بالمشاعر كثيرًا ولا يتأثرون بالمعقول إلا

قليلًا، فهم كما قال أحد المحامين» لا يثبتون أمام امرأة ترضع طفلها أو أمام صغار

يتامى إذا نظروا إليهم «. قال موسيو (جلاجو) : «ويكفي أن تكون المرأة ظريفة لتنال

عطف العدول.»

العدول قساة القلوب على من يرتكب الجرائم التي يخشون هم منها، وهذه الجرائم

هي التي تهم الهيئة الاجتماعية، ورحماء بمرتكبي الجرائم التي مصدرها الغيرة والحب

وهكذا.

فقلما يقسون على البنات الأمهات اللاتي يقتلن مواليدهن، ولا على البنت يخدعها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت