الخادع ويهجرها فترميه بماء النار؛ وذلك لأن العدول يشعرون أنه لا خطر من مثل
هذه الجرائم على الهيئة الاجتماعية، وأنه ما دام القانون لا يحمي البنت التي هجرها
مَن خدعها يكون نفع جنايتها أكبر من ضررها؛ لأن في ذلك للخداع مزدجرًا. 1
والعدول كبقية الجماعات يبهرها النفوذ. لاحظ الرئيس (جلاجو) أنهم ديمقراطيون
في جمعهم شرفاء في عواطفهم؛ فالاسم، والحسب، والثروة الطائلة، والشهرة، والاستعانة
بمحام ذائع الصيت، وكل شيء يتفرد به الرجل ويظهر به ... كل ذلك عدة كبيرة
وسلاح قوي في يد المتهمين.
أراد بعضهم بيان الطريقة التي ينبغي استعمالها في هذا المقام، فوصف أحد
محامي الإنجليز، وكان ذا شهرة فائقة بنجاحه أمام محاكم الجنايات، ومما قاله: أول
ما يجب على المحامي اللبيب الاهتمام به تعمد التأثير على شعور العدول، والإقلال من
التقرير، والاستدلال أو اختيار السهل البسيط من الأدلة العادية، كما هو الشأن مع بقية
الجماعات كان يترافع وهو يرقب حركات العدول، وتحين مناسبة الوقت، فكان يقرأ في
وجوههم أثر كل جملة وكل كلمة بما أوتي من الفراسة والتجارب ليعرف ما ينبغي
بعد ذلك، وكان يتفرس أولًا العدول الذين صاروا من جانبه ويخطو معهم في خطابه
الخطوة الأخيرة التي تمكنه من انحيازهم إليه، ثم يلتفت لمن يشعر منه بالانحراف عنه،
ويجتهد في استكناه سبب ميله عن المتهم، وهذا أدق ما في عمل المحامي، لأن الأسباب
التي تبعث الرغبة في الحكم على رجل بالعقوبة كثيرة، بقطع النظر عن كون الحكم
عدلًا أم ظلمًا.
ولقد تلخص فن الخطابة في هذه الأسطر على قلتها، وبان أن السبب في عدم تأثير
ما حضر منها من قبل هو اضطرار الخطيب إلى تغيير الكلام طبقًا لأثره في نفوس
السامعين.
وليس من الضروري أن يكسب الخطيب ميل جميع العدول، بل يكفيه اكتساب
قلوب الرؤساء الذين هم قادة البقية، وبهم يتكون رأي الأغلبية. فالذي يقود العدول إنما
هم نفر قليل منهم كما يقع ذلك في كل الجماعات. قال المحامي الذي مر ذكره»: عرفت
بالتجربة أنه متى حان وقت إصدار القرار يكفي واحد أو اثنان من أهل العزيمة في
الرأي لإقناع البقية «.
فالواجب إذن إقناع هذين الاثنين أو الثلاثة باستعمال الحذق فيما يلقى في
نفوسهم، وأول ما ينبغي فعله هو الاجتهاد في إعجابهم؛ لأن الرجل في الجماعة إذا
أعجبه المتكلم صار قريب الاقتناع وقَبِل بالسهولة الأدلة التي تعرض عليه كيفما كانت،
فقد قرأت في بعض الكتب عن موسيو (لاشو) الحكاية الآتية»: من المعروف عنه أنه
كان في مرافعاته أمام محكمة الجنايات لا يفتر عن ملاحظة العدلين أو الثلاثة الذين
كان يتفرس فيهم أنهم أصعب مراسًا من البقية وأنهم أهل النفوذ فيهم، وكان يتمكن
غالبًا من التغلب عليهم، واتفق له مرة في الريف أنه لحظ بين العدول واحدًا استعمل
لإقناعه أشد وسائل الخطابة ثلاثة أرباع الساعة على غير جدوى، وكان جالسًا في أول
الصف الثاني وهو السابع حتى كاد اليأس يدرك الخطيب، وبينما لاشو مندفع في
البيان والبلاغة تتدفق من فِيهِ إذا به قطع الكلام فجأة والتفت إلى رئيس المحكمة قائلًا:
«سيدي الرئيس أتسمحون فتأمرون بإسدال الستار الذي أمامنا، فإن الشمس تخدش
عيني حضرة العدل السابع «فاحمر وجه العدل السابع وتبسم وشكر، وقد صار من،
صف الدفاع.»
قام في هذه الأيام كثير من الكتاب، ومنهم الفطاحل، وشددوا النكير على نظام
العدول مع أن وجودهم هو الضمان الوحيد الذي يقينا شر الخطأ الكثير الوقوع من
طائفة لا رقيب عليها، 2 ومنهم من يذهب إلى وجوب حصر اختيار العدول في طبقة