فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 102

لكل عصر أفكار تسود فيه وإن كانت في الغالب من قبيل الخيالات، وقد بينا في غير هذا

المكان ما لتلك الأفكار من القوة وما هي عليه من القلة.

ومن الأفكار السائدة في هذا العصر أن في التعليم قدرة على تغيير الرجال تغييرًا

محسوسًا، وأن نتيجته التي لا يشكون فيها هي إصلاحهم، بل إيجاد المساواة بينهم.

ذكروا ذلك وكرروه فصار أحد المذاهب الثابتة عند الديمقراطيين، وأصبح التعرض له

من أصعب الأمور، كما كان من الصعب التعرض لسلطان الكنيسة في الزمن السابق.

ولكن آراء الديمقراطيين في هذا الموضوع كما هي في كثير من الموضوعات الأخر

مناقضة كل المناقضة لما أثبته علم النفس، ولما دلت عليه التجارب، فمما أثبته الكثيرون

من كبار الفلاسفة بلا عناء خصوصًا (هربرت سبنسر) كون التعليم لا يزيد في تهذيب

الإنسان ولا في سعادته، ولا يغير من غرائزه وشهواته التي تلقاها بالوراثة، وأنه إذا ساء

طريقه كان ضرره أكبر من نفعه. وأيد علماء الإحصاء هذه النظريات، فقالوا إن الميل إلى

الجرائم يزداد بانتشار التعليم، أو هو يزداد بانتشاره على طريقة مخصوصة، وإن ألد

أعداء الهيئة الاجتماعية وهم الفوضويون ينسلون غالبًا إلى مذهبهم ممن حازوا السبق

في المدارس. وأشار موسيو (ادلف جيو) ، وهو أحد أعاظم القضاة أنه يوجد الآن في كل

أربعة آلاف مجرم ثلاثة آلاف متعلمون وألف واحد أميون، وأن عدد الجرائم زاد مدى

خمسين سنة من (227) جريمة لكل مائة ألف نسمة إلى (552) ، أعني بنسبة (133)

في المائة، ولاحظ أيضًا هو ورفقاؤه أن الجرائم تكثر بين الشبان الذين أبدلوا تعلم المهن

على يد المعلمين بتعلمها في المدارس الإجبارية المجانية.

نعم مما لا يشك فيه إنسان أن التعليم إذا حسنت طرائقه ينتج نتائج عملية ذات

فائدة كبيرة، فإذا هو لم يرفع درجة التهذيب ويؤثر في رقي الأخلاق، فإنه ينمي الكفاءات

الفنية، ولكن من سوء الحظ أن الأمم اللاتينية أسست التعليم على قواعد غير صحيحة

ولا سيما منذ خمس وعشرين سنة، ومع كون فطاحل العلماء مثل (بريال) و(فوستيل

دي كولانج)و (تاين) وكثير غيرهم قد انتقدوها لا تزال تلك الأمم على خطئها فيها. وقد

شرحت أنا أيضًا في كتاب لي، أصبح قديمًا، أن طريقة التعليم الحالي عندنا تحول القسم

الأكبر ممن يتلقونه إلى أعداء للهيئة الاجتماعية، وتزيد كثيرًا في أصحاب أشد المذاهب

الاشتراكية ضررًا.

وأول خطر ينجم عن هذه التربية المسماة بحق تربية لاتينية آتٍ من بنائها على

قاعدة يحكم علم النفس بفسادها. ذلك أنهم قالوا إن الحفظ عن ظهر القلب يربي الذكاء

ويقوي الفطنة، ثم انتقلوا من هذا إلى وجوب الإكثار من الحفظ ما استطاعوا، وصار

المتعلم في المدرسة الابتدائية والعالية حتى الذي يتلقى علوم الأستاذية لا يعمل إلا للحفظ،

وهو في ذلك كله لا يدرب مداركه ولا يمرن ملكة الإقدام على العمل من نفسه؛ لأن التعليم

في نظره ينحصر في إلقاء المحفوظ وفي الخضوع. قال موسيو (جول سيمون) وهو أحد

وزراء المعارف الأقدمين: «إن حفظ الدروس عن ظهر قلب وكذا حفظ متن في النحو أو

مختصر، وحسن الإلقاء، وحسن التقليد، تربية هي من الهزء بمكان، إذ كل همة يبديها

المتعلم في هذه السبيل عبارة عن الاعتقاد بأن المعلم مصون عن الخطأ، وذلك لا ينتج إلا

نقصنا وضعفنا.»

ولو أنضرر هذه التربية كان قاصرًا على عدم فائدتها لاكتفينا بالعطف على أولئك

الأطفال المساكين الذين يحفظون في المدرسة نسب (كلوتير) ومصارعات (نوستيري)

وفصيلات الحيوان وغير ذلك، بدلًا من أن يتعلموا أشياء كثيرة أخر نافعة، لكن ضررها

أكبر من ذلك، فهي تولد في نفس المتعلم سآمة شديدة من حالته التي هو عليها بمقتضى

نشأته، ورغبة شديدة في الانسلاخ عنها، فلا الصانع يبغي البقاء على صنعته ولا الفلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت