فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 102

ولو أردنا بيان كون القوانين في كل أمة منتزعة من روحها، وأنه لا يمكن لذلك

تغييرها عنوة وقسرًا لَلَزِم أن نأتي على كل قانون ونخوض في كل نظام، فمثلًا يجوز

الجدل فلسفيٍّا في هل حصر السلطة وإرجاعها في النهاية إلى يد واحدة أفضل من تفريقها،

أم العكس أولى. لكن إذا رأينا أمة مؤلفة من عناصر مختلفة قضت ألف عام فوصلت بعد

ذلك إلى حصر السلطة وجمعها، ورأينا من جهة أخرى أن ثورة عظيمة جاءت لتحطم

كل نظام ولده الزمان قد احترمت هذا الحصر وبالغت فيه؛ كان لنا أن نقول: إن هذا

النظام هو ابن الضرورة التي لا مفر منها، وإنه شرط من شروط حياة تلك الأمة، وأن

نرثي لحال أولئك الذين قصرت أحلامهم من السياسيين الذين يذهبون إلى وجوب إبطال

ذلك النظام. ولو أن الصدفة ساعدتهم على نيل ما يبتغون لكانت نتيجة ذلك قيام حرب

أهلية يستطير شررها والعودة عاجلًا إلى حصر السلطة بأشد مما هي عليه.

والذي يقارن بين المنافسات الدينية والسياسية الشديدة القائمة في أجزاء البلاد الفرنساوية

والناشئة على الأخص من اختلاف عناصر الأمة وبين ميل البعض إلى تجزئة السلطة وتوزيعها

أيام الثورة وعقب الحرب الفرنساوية الألمانية، يتبين له أن العناصرالمختلفة التي لا تزال

حية في بلادنا لا تزال بعيدة عن الامتزاج والاتحاد، وأن أحسن عمل جاءت به الثورة

هو حصرالسلطة وجمعها وتقسيم البلاد تقسيمًا اعتباريٍّا لا طبيعيٍّا إلى أقسام متعددة

توصلًا إلى مزج الأقاليم القديمة وخلط سكانها بعضهم ببعض. فإذا أمكن اليوم تحقيق

ما يصبو إليه أولئك الذين لا يقرأون عواقب الأعمال من التجزئة والتوزيع أدى ذلك إلى

اضطرابات تهرق فيها الدماء وتقتل النفوس، ولا يغفل عن ذلك إلا من نسي تاريخنا.

نتج مما تقدم أن التأثير الحقيقي في روح الجماعات لا يكون من طريق النظامات،

وإذا لفتنا الذهن إلى الولايات المتحدة رأيناها ترفل في حلل الرخاء وتخطر في جلباب

السعادة بفضل نظاماتها الديمقراطية، ثم إذا رجعنا إلى الجمهوريات الإسبانية الأمريكية

-ألفيناها وهي متمتعة بنظام مثله تتعثر في أذيال التقهقر والفوضى، وحكمنا بأنه لا

دخل لتلك النظامات لا في سعادة الأولى ولا في شقاء الثانية، وبأن الذي يحكم الأمم إنما

هو أخلاقها. وكل نظام لا يندمج مع هذه الأخلاق ويمتزج بها تمام الامتزاج يكون أشبه

بالثوب المستعار وهو ستار لا يدوم. نعم، قامت حروب دموية وهبت ثورات عنيفة،

وستقوم حروب وتهب ثورات والغرض منها كان ويكون إلزام الأمم بنظامات يعتقد

الناسرأنها مجلبة السعادة كاعتقادهم في آثار الأولياء والصالحين. وقد يقال إن النظامات

تؤثر في نفوس الجماعات لأنها تفضي إلى مثل تلك الحروب والثورات. والصحيح أن لا

تأثير لها البتة؛ لأنا قد عرفنا أنها لا قيمة لها في ذاتها سواء كان الغلبة لها أم عليها،

وإنما الذي يؤثر في الجماعات أوهام وألفاظ، وعلى الأخصالألفاظ، تلك الألفاظ الخيالية

القوية التي سنبين سلطانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت