فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 102

يوجد فوق سطح العقائد الثابتة التي شرحنا تأثيرها العظيم طبقة من الأفكار والآراء

التي تتجدد وتزول دائمًا، فمنها ما يدوم يومًا واحدًا، وأهمها لا يدوم أكثر من الجيل

الذي نشأ فيه. وقد قدمنا أن التغيير الذي يطرأ على هذه الأفكار صوري أكثر مما هو

حقيقي في الغالب، وأنها مصبوغة على الدوام بصبغة الشعب الذي توجد فيه، ومثلنا

لذلك بنظام بلادنا السياسي، فأوضحنا أن أشد المذاهب خلفًا من ملوكيين وجمهوريين

وإمبراطوريين واشتراكيين، وهكذا يشتركون فيما يرمي جميعهم إليه، وأن هذا المرمى

راجع إلى طبيعة شعبنا النفسية أو الأدبية. واستظهرنا على ذلك بوجود أسماء هذه

النظامات، وأنها عند أمم أخرى ودلالتها على شيء آخر، وبأن وضع الأسماء للأفكار

وإلباس الشيء ثوبًا يريه في صورة غيره لا يغير من حقيقة ذلك الشيء. كان أهل الثورة

الفرنساوية متشبعين بأدبيات الرومانيين شاخصين على الدوام إلى جمهوريتهم، فنقلوا

إليهم شرائعهم وقضبانهم 4 وأرديتهم، واجتهدوا في تقليدهم في نظاماتهم وأحوالهم،

ومع هذا لم يصيروا رومانيين لأنهم كانوا محكومين بتقاليدهم التاريخية. ووظيفة

الحكيم هي استخلاص ما بقي من العقائد الأصلية وسط التقلبات الصورية، وأن يميز

في معمعة الأفكار المتغيرة ما يرجع منها إلى روح الشعب وعقائده العامة.

وإذا لم يوجد هذا الفارق الفلسفي جاز الظن بأن الجماعات تغير كثيرًا عقائدها

الدينية والسياسية كما تشاء، والظاهر أن التاريخ يؤيد هذا الظن سواء كان تاريخ

السياسة أو الدين أو الفنون أو الأدب، لأنا إذا نظرنا في تاريخنا إلى الفترة القصيرة

الواقعة بين سنة 1790 وسنة 1820 - أعني ثلاثين سنة، وهو عمر جيل واحد -

ورأينا الجماعات التي كانت ملوكية تحولت فصارت ثورية للغاية ثم إمبراطورية كذلك

ثم عادت ملوكية كما كانت، هذا في السياسة. وأما في الدين فإنها كانت كاثوليكية ثم

كفرت ثم قالت بالألوهية، ثم رجعت إلى الكثلكة الضيقة إلى حد التغالي، ولم يكن ذلك

شأن الجماعات وحدها، بل شاركها فيه كله قوادها فشهدنا، والعجب يأخذ منا أولئك

الثوار الذين تقاسموا على بغض الملوك، وأنكروا لله والسلطان أمسوا خدامًا خاضعين

لنابليون، وأصبحوا يحملون الشموع والخشوع ملء جوانحهم في احتفالات الملك لويز

الثامن عشر.

وما أكثر الانقلابات التي طرأت على أفكار الجماعات في السبعين سنة التالية، فقد

صار الإنكليز حلفاء أمة الفرنساويين في عهد خليفة نابليون، وكانوا في أول القرن أعداء

ماكرين، وأغرنا مرتين على بلاد الروس، وكم خفقت قلوبهم فرحًا بانكسارنا ثم صاروا

لنا أصدقاء.

وأسرع من ذلك تقلب الأفكار في الأدب والفنون والفلسفة، فكنا لا نتقيد بقواعد

اللغة، وكنا طبيعيين وكنا صوفيين، وكنا غير ذلك؛ كل هذا ظهر واختفى، وكان الناس

يتغنون باسم هذا الكاتب أو ذاك المصور في المساء، فإذا أصبح الصباح حقروه ورذلوه.

وإذا دققنا البحث في هذه التقلبات التي يخال أنها حقيقية متأصلة في النفس

رأينا أن ما كان منها مخالفًا للاعتقادات العامة ومشاعر الشعب، فهو زائل لا يدوم إلا

يسيرًا، ولا تلبث المياه أن تعود إلى مجاريها، فمن المعلوم أنه يستحيل دوام الأفكار التي

لا رابطة بينها هي والمعتقدات العامة ومشاعر الشعب؛ لأنها مُعرضة لتأثير الطوارئ

والاتفاق تتغير بأقل تغيير في البيئة التي وجدت فيها. ومما يدل أيضًا على عدم بقائها

أنها تولدت من طريق الإلقاء والعدوى، فهي تولد ثم تموت بسرعة الرمل الذي يتكون

أكداسًا على شاطئ البحر ثم تذهب به الريح ثم تعيده ... وهكذا.

ولقد كثرت في أيامنا هذه أفكار الجماعات التي لا بقاء لها، ولذلك ثلاثة أسباب:

الأول: أن الاعتقادات القديمة أخذت تضعف شيئًا فشيئًا، فلم تعد تؤثر في الأفكار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت