العرضية تأثيرًا ينظمها ويهديها، وضعف تلك الاعتقادات العامة من شأنه أن يفسح
المجال لتولد أفكار خاصة لا رابطة بينها هي والماضي، ولا يرجى بقاؤها في المستقبل.
السبب الثاني: أن قوة الجموع تزداد شيئًا فشيئًا، والقوة المضادة تضعف بمقدار
ذلك، وقد عرفنا أن الجماعات كثيرة التقلب في أفكارها، فالنتيجة أنها أصبحت أكثر
حرية في إظهار تلك الأفكار المتقلبة.
والسبب الثالث: هو كثرة انتشار المطبوعات لما فيها من كثرة الأفكار المتناقضة
التي تعرضها على الجماعات. فالفكرة لا تكاد تظهر حتى تبطل بظهور فكرة تخالفها،
وما من فكر ينتشر تمامًا وكلها محكوم عليها بسرعة الزوال، فهي تموت قبل أن تنتشر
انتشارًا يثبتها ويجعلها معتقدًا عامٍّا.
من تلك الأسباب تولدت ظاهرة جديدة في تاريخ البشر ينفرد بها العصرالحاضر،
وهي ضعف الحكومات عن قيادة الرأي العام.
كان زمام الرأي في الزمن السابق ما هو في يد الحكومات وبعض ذوي النفوذ من
الكتاب، وعدد مخصوص من الجرائد: فأما الكتاب فقد انعدم تأثيرهم، وأما الجرائد فإن
وظيفتها أصبحت قاصرة على أن تكون مرآة للرأي، وأما السياسيون فإنهم لا يديرونه
بل يسيرون خلفه، وقد أخذتهم منه رهبة تكاد أحيانًا تبلغ حد الذعر والانذهال، فهم لا
يثبتون في أي طريق يسلكون.
نتج من هذا أن رأي الجماعات يقرب كل يوم من الاستيلاء على زمام السياسة،
وقد وصل الآن إلى إلجاء الأمم لعقد المحالفات، كما وقع أخيرًا في المحالفة الروسية
التي كانت حركة الرأي العام مصدرها الوحيد. ومن أعجب ما يشاهد الآن استسلام
الباباوات والملوك والقياصرة لنظام الأحاديث 5 ليصرحوا بأفكارهم ويعرضوا آراهم في
أمر من الأمور إلى حكم الجمهور. قالوا فيما مضى إن السياسة ليست من الأمور التي
تسيرها المشاعر، وإنا نشك في أنه يمكن القول بذلك الآن بعدما بان أن نزعات الجماعات
تقودها كل يوم أكثر من الذي قبله، والجماعات لا تعرف العقل ولا تندفع إلا بالمشاعر.
وأما الجرائد فبعد أن كانت تقود الرأي العام كالحكومات، اضطرت إلى التسليم
أمام سلطان الجماعات. نعم للجرائد أثر شديد في الناس، لكن ذلك سببه أنها صارت
مرآة لآرائهم ومتغيرة بتغير أفكارهم المستمر. أصبحت الجرائد رسل أخبار، فلم تعد
قادرة على نشر رأي أو تقرير مذهب، بل هي تسير خلف أهواء الجماعات مكرهة على
ذلك بحكم المسابقة والتزاحم، وإلا خسرت قراءها، ألا ترى الجرائد الكبرى القديمة التي
كان لها المقام الأول والتأثير القوي مثل (لوكونستيتو سيونيل) و (الديبا) و (السييكل) ،
وهي التي كان يتلقى آباؤنا أقوالها كالوحي المنزل من السماء، قد احتجبت أو صارت
صحف أخبار محلاة ببعض الفكاهات القصصية ولطائف المجتمعات والإعلانات
التجارية. لا توجد اليوم جريدة تسمح ماليتُها للمحررين بإبداء آرائهم الذاتية، على
أنها إن وُجدت ما كان لتلك الآراء والأفكار قيمة عند القراء؛ لأنهم إنما يطلبون خبرًا
يقرأونه أو نكتة يتفكهون بها، وصاروا في ريب من كل رأي ونصيحة توجه إليهم، إذ
يظنون أن وراءها طمعًا في ربح أو سعيًا لمنفعة خاصة. بل إن أهل النقد أصبحوا لا
يجرأون على نشر كتاب أو رواية تمثَّل في المراسح، فإن النقد صار مما قد يجلب الضرر
ولا يجر إليهم نفعًا. أيقنت الجرائد بعدم الفائدة من النقد أو إبداء الآراء الشخصية،
فجعلت تقلل منه في عالم الأدب حتى بطل واستعاضته بذِكر اسم الكتاب الجديد
متبوعًا بسطرين أو ثلاثة للإعلان عنه، والحث على اقتنائه، وربما آل الأمر إلى مثل ذلك
بعد عشرين سنة فيما يتعلق بنقد الروايات التي تشخص في الملاهي.
أصبح الشغل الشاغل للجرائد والحكومات تتبُّع حركات الرأي العام، فالذي يهمهم
من حادث يقع أو من مشروع قانون يحضر أو من خطاب يلقى، إنما هو أثر ذلك في
الناس، وما ذلك بهين على طلابه لشدة تغير أفكار الجماعات، فما أسرعها في السخط