فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 102

الفصل الرابع

حدود تقلب معتقدات الجماعات وأفكارها

يوجد بين الخواص التشريحية أي الجسمانية والخواص النفسية تشابه تام، فمن الأولى

ما هو ثابت أو لا يتغير إلا ببطء شديد بحيث يلزم لتغييره زمن كالذي بيننا وبين

الطوفان، ومنها ما هو متقلب يتغير بالسهولة من أثر البيئة أو المربي، وقد يبلغ التغيير

درجة تختفي فيها الخواص الأصلية على غير المتأمل.

وكذلك الحال في الخواص الأدبية، فمن أخلاق الشعب ما هو ثابت لا يغيره كرور

الأيام، ومنها ما هو متقلب يتغير. ومن ينعم النظر في معتقدات الأمم وأفكارها يرى

دائمًا في أخلاقها أصلًا ثابتًا ترسب فوقه أفكار متقلبة كما ترسب الرمال فوق الصخر.

وعليه تنقسم معتقدات الجماعات إلى قسمين: الأول المعتقدات الدائمة التي تعمر

عدة قرون، وإليها ترجع مدنية الأمة كلها كالأفكار التي سادت أيام حكم الشرفاء

والمعتقدات المسيحية وأفكار الإصلاح (البروتستانتية) وكالجنسية والأفكار الديمقراطية

والاجتماعية في أيامنا. والقسم الثاني يشمل الأفكار الوقتية المتغيرة، وهي مشتقة في

الغالب من الأفكار العامة تظهر وتغيب في الجيل الواحد كالنظريات التي تسترشد بها

الفنون والأدب في أوقات معلومة، ومذهب حرية الكتابة (الإنشاء) 1 ومذهب الطبيعيين

ومذهب الصوفية ... وهكذا. وتلك الأفكار كلها سطحية سريعة التغير، كالبدئ (المودة)

فمثلها كمثل الأمواج الصغيرة التي تظهر وتختفي من دون انقطاع على سطح بحيرة

عميقة.

المعتقدات الكبيرة العامة قليلة جدٍّا، وقيامها وسقوطها في كل أمة ذات تاريخ

يمثلان أعظم دور في حياتها، ولا قوام للمدنية بدونها.

ومن السهل جدٍّا إيجاد فكر وقتي في عقول الجماعات، لكن من الصعب جدٍّا تقرير

معتقد دائم في نفوسها، كما أنه من الصعب جدٍّا هدم اعتقاد تمكن منها، ولا سبيل إلى

التغيير غالبًا إلا بالثورات العنيفة، بل إن الثورة لا تؤدي إلى ذلك إلا إذا اضمحل قبلها

أثر المعتقد في النفوس، فهي تصلح لكسح تلك البقية التي تكاد تكون في حكم المهمل

لولا أن سلطان العادة يمنع من الإقلاع عنها بالمرة، فالثورة التي تقبل عبارة عن معتقد

يدبر.

ومن السهل تجديد اليوم الذي يندكُّ فيه أحد المعتقدات الكبرى، ذلك هو يوم يأخذ

الناس بالبحث في قيمة هذا الاعتقاد؛ لأن كل اعتقاد عام يكاد يكون أمرًا فرضيٍّا، فهو

لا يحتمل البقاء إلا بشرط عدم البحث فيه.

غير أن النظامات التي أسُست على اعتقاد عام تستمر حافِظةً لقوَّتها ولا تتحلل إلا

ببطء، وإن تزعزع ذلك الاعتقاد، فإذا تم له الهدم تساقط ما بني عليه.

ومما قضت به سُنة الوجود حتى الآن أن كل أمة أصبحت متمكنة من تغيير

معتقداتها لا بد لها عاجلًا من تغيير جميع أركان حضارتها، فهي تُغير وتبدل فيها

حتى تهتدي إلى معتقد جديد عام ترضاه النفوس وتعيش في فوضى حتى تعثر عليه،

فالمعتقدات العامة هي دعائم الحضارة التي لا بد منها، وهي التي ترسم للأفكار

طريقها الذي تسير فيه، وهي التي توحي بالإيمان وتفرض الواجبات.

أدركت الأمم على الدوام فائدة المعتقدات العامة، وفطنت إلى أن يوم زوالها هو يوم

بدء سقوطها. عَبَد الرومانيون مدينة روما عبادة المتعصبين، فسادوا على الدنيا أجمع،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت