لولا الحاجة إلى بيان أن لا تأثير للعقل في الجماعات ما احتجنا إلى ذكره بين العوامل
التي تؤثر فيها؛ لأنا قدمنا أن البراهين والأدلة لا تأخذ من نفوس الجماعات، وأنها لا
تعقل إلا بالمشابهات الردئية. ولهذا فإن الخطباء الذين عرفوا كيف تتأثر إنما يخاطبون
شعورها دون العقل، لأنه لا سلطان لقواعد المنطق عليها 4 فلأجل إقناع الجماعة ينبغي
الوقوف أولًا على المشاعر القائمة بها والتظاهر بموافقتها فيها، ثم يحاول الخطيب
تعديلها باستعمال مقارنات بسيطة عادية تشخص أمامها صورًا مؤثرة، وينبغي أن
يكون مقتدرًا على الرجوع القهقرى متى وجد المقتضى، وأن يتفرس في كل لحظة أثر
كلامه في نفس سامعه حتى يغير منه كلما مست الحاجة، وهذه الضرورة التي تلجئ
الخطيب إلى سرعة تغيير الكلام بحسب الأثر الحاصل في نفس السامع، هي التي تدلنا
على ضعف الخطابة بالكلام المحضر من قبل، لأن الخطيب يتبع في هذه الحالة سلسلة
أفكاره لا حركة فكر سامعيه، فلا يكون لكلامه أقل تأثير عندهم. أما المناطقة فلأنهم
تعودوا الاقتناع بالأدلة المتسلسلة الدامغة لا يمكنهم الخروج عن عادتهم هذه في مخاطبة
الجماعات، لذلك يدهشهم على الدوام عدم تأثير استدلالهم، قال بعض هؤلاء المنطقيين:
» إن للقياس المنطقي، أعني الجمع بين الشيء ونظيره، في الاستدلال نتيجة لازمة لا
تتخلف عنه، وهذا اللزوم يقتضي التسليم حتى من المادة لو أن فيها قدرة على أن تتمثل
النظائر «، وهو مسلم غير أنه لا فرق بين الجماعة والمادة في عدم إدراك النظائر، بل في
عدم القدرة على سماعها، ومن لم يصدق فليجرب إقناع الهمجي أو المتوحش أو الصبي
بالحجة العقلية والدليل المنطقي، وهو يقتنع بضعف تأثير هذه الطريقة في إقناعهم.
على أنه لا داعي للتجربة في الهمجي لمعرفة عدم تأثير الأدلة العقلية متى عارضت
الشعور، ويكفينا أن نذكركم من القرون أمسكت الأوهام الدينية بالعقول على ما بها من
مخالفة قواعد المنطق الابتدائية، وأن أكبر الناس عقلًا وأسماهم فكرًا أتوا تحت حكمها
ألفي عام وبقي الحال هكذا حتى جاء هذا الزمان وأمكن البحث في صحتها. ولقد كان
أصحاب العقول النيرة كثيرين في القرون الوسطى وزمن النهضة الفكرية، ومع ذلك
ليس منهم من هدته الحجة وأرشده الدليل إلى ما كان في الأوهام التي استولت على
قلبه من الهزء والشطط، أو شك يومًا في صحة إساءة الشيطان، أو في ضرورة إحراق
الساحرين.
رب سائل أممًا يوجب الأسف أن العقل ليس هو الذي يهدي الجموع على الدوام،
نحن لا يسعنا أن نقول به، بل نرى أنه لو كان الهدى للعقل ما اندفعت الإنسانية
في سبل المدنية والحضارة بالهمة التي أوجدتها الخيالات والأوهام، فليس لنا غنى عن
الأوهام لأنها نبات الغرائز.
كل شعب يحمل في كيانه العقلي نواميس مآله في الوجود، والظاهر أنه يسير محكومًا
بتلك النواميس، وأنه ينقاد لحكمها بفطرة لا مقدور له فيها حتى في نزعاته التي يرى
أنها خارجة عن كل معقول، كذلك يظهر أحيانًا أن الأمم مدفوعة بقوى خفية مثل التي
تجعل بذرة البلوط شجرة كأمها، أو التي تدور بها (ذوات الأذناب) في دائرتها.
على أنه لا يسعنا أن نعرف إلا قليلًا من تلك القوى، وذلك بالبحث عنها في حركة
تطور الأمة العمومية لا في الحوادث الفردية التي يخال أنها سبب ذلك التطور، إذ لو
قصرنا النظر على هذه الحوادث لظهر أن التاريخ يتكوَّن من مصادفات غير معقولة
بالمرة، فلقد كان مما لا يصدقه العقل أن نجارًا جاهلًا هو (غاليليه) 5 يصير مدة ألفي
عام كإله جلت قدرته يؤسس باسمه أهم أركان المدنيات في الدنيا. وكان مما لا يصدقه
العقل أن عصابات من العرب تندلع من صحاريها وتبسط فتوحاتها على القسم الأكبر
من الدنيا القديمة التي عرفها اليونان والرومان وتختط مملكة فاقت ضخامتها مملكة