التجارب هي على التقريب الوسيلة الفعالة لتقرير الحقيقة في نفوس الجماعات، وإزالة
الأوهام التي عظم ضررها، إنما ينبغي أن تكون عامة ما أمكن وأن تتكرر؛ إذ تجارب
جيل لا تؤثر غالبًا في الذي يليه، ولذلك لا تصلح الحوادث التاريخية للدليل، بل تصلح
لبيان أنه يجب تكرار التجارب من جيل إلى جيل ليكوِّن بعض الأثر وليتوصل بها إلى
زعزعة الوهم المتأصل في نفوس الجماعة.
ومن المحقق أن مؤرخي العصور الآتية سيكثرون من ذكر حوادث هذا القرن،
والذي تقدمه لاحتوائها على تجارب لا مثيل لها؛ لأن الناس لم يباشروا نظائرها في زمن
من الأزمان.
وأكبر هذه التجارب ثورتنا الفرنساوية؛ لأنها تدل على أننا احتجنا إلى قتل عشرة
ملايين من الرجال وإضرام نار الفتن والقلاقل في أوروبا كلها مدى عشرين عامًا، لنعرف
أن الأمة لا تخلق خلقًا جديدًا بإرشاد العقل وحده. وقمنا بتجربتين منهكتين في خمسين
عامًا لنثبت من طريق التجربة أن القياصرة تكلف الأمم التي تمجدها كلفة باهظة، ومع
أنهما كانتا مشرقتين بالحجة على ما أرادوا يظهر أنهما لم تعتبرا كافيتين للإقناع، والأولى
اقتضت بضعة ملايين من النفوس وغارة أجنبية على البلاد، والثانية أدت إلى سلخ إقليم
عنها وضرورة إيجاد جيش مستديم مع ذلك، وكانت الثالثة على الأبواب من عهد قريب،
وهي واقعة لا محالة يومًا من الأيام، وبالجملة كان لا بد من تلك الحرب الهائلة التي
استنزفت ثروتنا لكي تقلع الأمة كلها عن الوهم بأن الجيش الألمان العرمرم لم يكن إلا
عبارة عن حرس ملي 3 لا خوف منه كما كانوا يوحون به عندنا منذ ثلاثين عامًا.
ولو أردنا أن نبرهن للأمم التي تعمل بمذهب حماية التجارة الوطنية لتقييد التجارة
الأجنبية، للزمنا القيام بتجارب ضارة بثروتنا مدة عشرين عامًا، ومن السهل الإكثار من
الأمثلة على ما تقدم.