فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 102

الفصل الثالث

أفكار الجماعات وتعقلها وتخيلاتها

بحثنا في كتابنا السابق عن تأثير الأفكار في تطور الأمم، وبينا أن كل مدنية تقوم

على أفكار أساسية محدودة قلما تتجدد، وشرحنا كيف تتمكن تلك الأفكار من نفوس

الجماعات، وكيف أنها لا تدخل عليها إلا بالصعوبة، وما هي القوة التي تكون لها متى

احتلتها، ثم أوضحنا كيف أن التقلبات السياسية الكبرى تحدث غالبًا مما يطرأ على هذه

الأفكار الأساسية من التغيير، وذلك كله بالإسهاب والشرح الوافي، وعليه لا نعود إلى بسط

الكلام في هذا الموضوع مرة أخرى، وإنما نوجز القول في الأفكار التي هي من مقدور

الجماعات والصورة التي تتناولها عليها.

تنقسم هذه الأفكار إلى قسمين: الأول الأفكار العرضية الوقتية التي تولدها بعض

الحوادث لساعتها كولوع بفرد من الأفراد أو مذهب من المذاهب، والثاني الأفكار الأساسية

التي تكتسب من البيئة والوراثة والرأي ثباتًا. مثال ذلك العقائد الدينية في الماضي والأفكار

الدمقراطية والاجتماعية في الزمن الحالي.

فالأفكار الأساسية أشبه بالماء الذي يجري الهوينا في النهر، والأفكار العرضية تشبه

الأمواج الصغيرة المتغيرة على الدوام التي تضرب وجه ذلك الماء، وهي مع قلة أهميتها

أظهر أمام العين من سير النهر نفسه.

وقد أخذت الآن الأفكار الأساسية التي عاش بها آباؤنا في الاضمحلال شيئًا فشيئًا،

ففقدت ما كان لها من المتانة والرسوخ وتزعزعت من أجل ذلك النظامات التي كانت

تقوم عليها، وفي كل يوم تظهر أفكار وقتية كثيرة مما ذكرنا، إلا أن القليل منها هو الذي

ينمو وهو الذي يكون له في المستقبل تأثير كبير.

وكيفما كانت الأفكار التي تلقى في نفوس الجماعات، فإنها لا تسود ولا تتمكن إلا

إذا وضعت في شكل قواعد مطلقة بسيطة لتبدو لها في هيئة صورة تحسنها، وهو الشرط

اللازم لأن نحل من نفوسها محلٍّا كبيرًا. وليس بين هذه الأفكار المصورة أقل رابطة

عقلية من التشابه أو التلازم، فيجوز أن يحل بعضها محل بعض، كالزجاجات السحرية

التي يستخرجها العامل واحدة فواحدة من صندوقها، ذلك هو السبب في قيام الأفكار

المتناقضة بجانب بعضها عند الجماعات. وعلى حسب الأحوال تكون الجماعة تحت تأثير

أحد هذه الأفكار التي اجتمعت في مدركتها، فتأتي بأشد الأعمال تناقضًا وتضاربًا.

هذه حال ليست خاصة بالجماعات وحدها، بل هي تشاهد أيضًا في الأفراد لا فرق

في ذلك بين من لا يزال على الفطرة ومن أشبههم بناحية من نواحي العقل، كالذين

غلت ثورة الدين في رؤوسهم، بل إني شاهدت ذلك بدرجة توجب الاستغراب عند بعض

مستنيري الهندستان الذين تربوا في مدارسنا الأوروبية ونالوا جميع شهاداتها، فرأيت أنه

ارتكز على مجموع معتقداتهم الدينية المستديم أو أفكارهم الاجتماعية الوراثية. مجموع

أفكار غريبة لا علاقة بينها وبين الأولى وذلك من دون أن تؤثر فيها، وكانت هذه أو تلك

تظهر في الخارج طبقًا لمقتضى الحال بجميع مشخصاتها من أعمال وأقوال، فيبدو الفرد

منهم مناقضًا لنفسه كل التناقض على أنه تناقض في الواقع ظاهر أكثر مما هو حقيقي؛

لأن الأفكار الموروثة هي المعول عليه، إنما هو الأثر الذي ينتج عنه، ألا ترى أن الأفكار

الدينية في القرون الوسطى والأفكار الديمقراطية في القرن الماضي والاجتماعية في زماننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت