فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 102

أهم العوامل في المسائل الذي يبحث عنها علم الاجتماع هو الزمان، كما أنه كذلك في

المسائل التي يبحث عنها علم الأجسام المنظمة، فهو الموجد الحقيقي الوحيد وهو الهادم

القوي الوحيد. هو الذي كون الجبال من حبيبات الرمال ورفع الخلية الحقيرة التي

اشتملت على أصل الوجود النوعي إلى مقام الإنسان، وكل ظاهرة وكل حادثة لا تتغير

ولا تتحول إلا بالزمان. ولقد أصاب من قال إن النملة إذا امتد أمامها الزمن وَسِعها أن

تجعل الجبل الرفيع مهادًا، ولو أن موجودًا تمكن من تصريف الزمان كما يشاء لكان

صاحب القوة التي يعترف بها المؤمنون للواحد الديان.

بحثُنا هذا قاصر على تأثير الزمان في آراء الجماعات ومعتقداتها، وهو فيها له كذلك

الأثر العظيم، فهو القاهر فوق أكبر المؤثرات الأخرى من التي لا تكون بدونه كالشعب

وغيره، وهو الذي يولد المعتقدات فينميها ثم يميتها، ومنه تستمد قوتها وبفعله يتولاها

الضعف والانحلال.

والزمان هو بالأخص محضر آراء الجماعات ومعتقداتها أو هو مهيئ التربة التي

نبتت فيها، ولذلك صح وجود بعض الأفكار في زمن وامتنع وجودها في زمن آخر. وهو

الذي يذكر المعتقدات بعضها فوق بعض، وكذا الأفكار، فيهيئ بذلك قيام الآراء والمذاهب

في العصور المتتابعة، لأنها لا تنبت صدفة ولا توجد اتفاقًا، بل إن لكل واحد منها جذورًا

تمتد في زمن بعيد، فإذا انبثقت فإنما الزمان هو الذي هيأ تفتح أزهارها، وإذا أردت

أن تعرف كنهها فارجع إلى ماضيها. هي بنات الماضي وهي أمهات المستقبل، وهي إماء

الزمان على الدوام.

نتج من هذا أن الزمان هو صاحب السيادة الحقيقة فينا، وما علينا إلا أن نتركه

يعمل لنرى كل شيء يتحول ويتبدل. نحن الآن في فزع شديد من مقاصد الجماعات

التي تهددنا ومما تنبئنا به من تقويض أركان الهيئة الحاضرة، ومن الانقلاب المنتظر

فيها، ولكن الزمان سيتكفل وحده بإعادة التوازن بيننا. قال موسيو (لافيس) : «ما من

نظام يقوم في يوم واحد، بل لا بد في تقرير النظامات السياسية والاجتماعية من مرور

الأعصر والأجيال، فقد بقي نظام حكم الشرفاء مضطربًا غير واضح عدة قرون حتى

تبين وتأصلت له قواعد يعرفها الناس، كذلك قطعت الملوكية المطلقة قرونًا قبل أن تهتدي

إلى الأصول المنظمة التي تدير بها حكومة البلاد، وكم من اضطراب وقع في أدوار هذا

الانتقال.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت