لا يزال الناس يذهبون إلى أن النظامات تُقوِّم معوجَّ الهيئة الاجتماعية، وأن تقدم الأمم
أثر من آثار إتقان تلك النظامات وإصلاح الحكومات، وأنه يمكن إحداث الانقلابات
الاجتماعية بواسطة الأوامر والقوانين. كان هذا مذهب الثورة الفرنساوية في بدايتها،
وإليه يذهب الآن أيضًا من اتخذوا مجرد الخوض في الاجتماعات مذهبًا.
ذاك وهم تأصل في الأفكار لما تبدده التجارب على تكرارها، وقد ضاعت فيه متاعب
الفلاسفة والمؤرخين الذين تصدوا لبيان فساده، لكنهم لم يلاقوا صعوبة في إقامة الدليل،
على أن النظامات بنات الأفكار والمشاعر والأخلاق، وأن الأفكار والمشاعر والأخلاق لا تتغير
بتغيير القوانين، وأن الأمم لا تختار نظاماتها كما تشتهي، كما أنها لا تملك اختيار لون
أعينها وشعر رءوسها، بل إن النظامات والحكومات ثمرة الشعب الذي هي فيه، فليست
هي التي تخلق زمنها، ولكنها هي التي أوجدها زمانها، وليست الأمم محكومة كما يشاء
لها الهوى أنى تشاء، بل كما تشاء أخلاقها وطباعها. وكما أن كل نظام لم يستقر إلا
بعد قرون عدة كذلك ينبغي لتغييره قرون عدة. وليس للنظامات قيمة نوعية في ذاتها،
فلا هي حسنة لذاتها ولا هي رديئة لذاتها. وأن ما صلح منها لأمة في زمان يجوز أن
يكون مضرٍّا في أمة أخرى.
لهذا كان من المحقق أن الأمة لا تملك كل الملك تغيير نظاماتها، نعم في إمكانها
أن تبدل أسماءها بواسطة الثورات العنيفة والاضطرابات القوية، لكن اللب يبقى كما
كان. أما الأسماء فهي عناوين لا يلتفت إليها المؤرخ الذي ينقب عن حقائق الأشياء، ألا
ترى أن أعظم أمة ديمقراطية في الأرض هي الأمة الإنكليزية مع كونها تعيش تحت إمرة
حكومة ملكية، وأن أكبر أمة حفها الاستبداد هي الجمهوريات الإسبانية الأمريكية رغم
نظامها الجمهوري الذي يحكمها؛ ذلك ما يعترف به للإنكليز أعظم الجمهوريين تقدمًا
في الولايات المتحدة. وإني أذكر للقراء ما جاء في جريدة (فروم) الأمريكية ونقلته عنها
مجلة المجلات الصادرة في ديسمبر سنة 1894، قالت»: لا ينبغي أن ينسى الناس حتى
الذين هم من أكبر أعداء الشرفاء أن إنكلترا هي أول أمم الأرض في الديمقراطية، أعني
الأمة التي بلغ فيها احترام حقوق الفرد غايته، والتي بلغ أفرادها من الحرية
أعلى مقام «.
وبالجملة، قائد الأمم أخلاقها وطباعها لا حكوماتها، تلك قضية حاولت بيانها في كتابي
السابق، وأثبتها بأوضح دليل وأقوى مثال.
لذلك كان من العبث جدٍّا إضاعة الزمن في خلق نظام جديد من جديد، بل لا فائدة
من شد رحال علم المعاني والبيان لخلق مثل هذا النظام، فإن ذلك من عمل الجهلاء.
والحاجة والزمان هما الكفيلان بإعداده إذا عقل الناس وتركوا هذين العاملين يعملان.
هذا الذي اعتمد عليه الإنكليز السكسونيون، وهذا هو الذي يقوله لنا مؤرخهم العظيم
(ماكولي) ضمن كلام يجب على أدعياء السياسة في الأمم اللاتينية أن يحفظوه على قلوبهم.
بدأ المؤرخ ببيان ما أحدثته القوانين الإنكليزية من الآثار الطيبة على ما يظهر بها من
الرداءة والتناقض والبُعد عن المعقول، ثم قارن بين نظام إنكلترا والبضعة عشر نظامًا
التي اختنقت بين تقلصات الأمم اللاتينية في أوروبا وأمريكا، وأوْضَحَ أن الأول لم ينله
التغيير إلا على مهل جزءًا بعد جزء بتأثير الضرورة لا بتأثير النظر العلمي أبدًا، ثم قال:
«القواعد التي سار عليها المائتان وخمسون برلمانًا من عهد حنَّا إلى عهد فيكتوريا في
مداولاتها وقراراتها، هي أنها ما اهتمت مطلقًا بحسن التنسيق، بل كان كل همها في
الفائدة، ولم ترفع شاذٍّا لشذوذه، ولم تأتِ بجديد إلا إذا تحققت أن حرجًا استولى على
النفوس من أجله، ولم تجدد إلا بمقدار ما تتفادى من هذا الحرج، ولم تقرر مبدأ أعم
من الضرورة التي اقتضته.»