فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 102

لا يمكن القول مطلقًا بأن الجماعات لا تتعقل ولا تتأثر بالمعقول، غير أن طبقة الأدلة

التي تقيمها هي تأييدًا لأمر من الأمور أو التي تؤثر عليها منحطة جدٍّا من الجهة

المنطقية، فلا يصدق عليها اسم الدليل إلا من باب التشبيه.

وتلك الأدلة المنحطة مبينة على قاعدة الأساس كالأدلة الراقية، إلا أن رابطة الأفكار

التي تقرنها الجماعات ببعضها من حيث المشابهة أو التلازم ظاهرية لا حقيقة، فهي

تتسلسل عندها كما تتسلسل الأدلة في ذهن الرجل الإسكيماوي الذي عرف بالتجربة

أن الثلج وهو جسم شفاف يذوب في الفم، فاستنتج من ذلك أن الزجاج وهو شفاف

أيضًا يجب أن يذوب في الفم، وكالمتوحش الذي يتصور أن أكل قلب العدو الشجاع ينقل

شجاعته إلى الآكل أو كالأجير الذي هضم المعلم حقه فقال بأن جميع المعلمين هضامون

للحقوق.

والحاصل أن تعقل الجماعات عبارة عن الجمع بين أشياء متخالفة لا رابطة بينها

إلا في الظاهر والانتقال الفجائي من الجزئي إلى الكلي، ومن التخصيص إلى التعميم بلا

تروٍ، والأدلة التي يقدمها إليها أولئك الذين عرفوا كيف يقودونها كلها من هذا الطراز؛

لأنها هي الأدلة التي تؤثر فيها، بخلاف سلسلة من الأدلة المنطقية فإنها لا تدركها بحال،

لذلك صح القول بأنها لا تتعقل أو هي تتعقل خطأ، وأنها لا تتأثر بالمعقول. وكثيرًا ما

يعجب الإنسان عند مطالعة بعض الخطب من التأثير العظيم الذي أحدثته في سامعيها

على ما بها من الضعف والركاكة، وكأني بالمتعجب وقد نسي أن تلك الخطب إنما صيغت

لتؤثر في الجموع لا ليقرأها العلماء، فالخطيب الخبير بأحوال جماعته يعرف طريقة

استحضار الصور التي تجذبها، فإذا نجح فذلك ما أراد، ولو ألقيت خطب في عشرين

مجلد بعد ذلك ما كان لها من التأثير ما أحدثته تلك الكليمات التي دخلت في الرؤوس

المراد إقناعها.

وغني عن البيان أن عدم قدرة الجماعات على التعقل الصحيح يذهب منها بملكة

النقد، أي يجعلها غير قادرة على تمييز الخطأ من الصواب، وأن تحكم حكمًا صحيحًا في

أمر ما. أما الأفكار التي تقبلها هي، فهي التي تلقى إليها لا التي يناقش فيها. والذين

لا فرق بينهم وبين الجماعات في هذا الباب كثيرون، وسهولة انتشار بعض الأفكار

وصيرورتها عامة آتية على الأخص من عدم قدرة السواد الأعظم على اكتساب الرأي من

طريق النظر الذاتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت