هذا، ليست رفيعة بمقدار ما قد يظهر، فإن الفلسفة لا تعتبرها إلا أغاليط صغيرة، ومع
ذلك فإنه لا حد لأثرها فيما مضى، وستكون ولا حد له فيما يأتي ستبقى هي العوامل
الأساسية في حياة الدول والممالك زمنًا طويلًا.
ثم إن الفكر وإن تغير حتى صار تناوله في مقدور الجماعات لا يظهر أثره إلا إذا
دخل في عداد الغرائز وامتزج بالنفس، فصار من المشاعر، وهو ما يقتضي زمنًا طويلًا،
ولذلك وسائل سنأتي على بيانها في موضع آخر.
فلا يتوهمن القارئ أن أثر الفكر يظهر متى تبينت صحته حتى عند ذوي العقول
النيرة. يتضح ذلك لمن عرف ضعف تأثير صحة الفكر في السواد الأعظم من الناس بعد
ظهورها جليٍّا. نعم إذا تم الوضوح جاز الاعتراف من السامعين إن كانوا من المستنيرين،
غير أنهم لقرب عهدهم بالإيمان لا يلبثون أن ترجعهم فطرتهم إلى معتقدهم القديم،
فإذا لاقيتهم بعد قليل من الأيام رأيتهم يسوقون إليك حجتهم الأولى في ثيابها الأولى
بلا تغيير؛ لأنهم خاضعون لسلطان أفكار أصبحت بحكم الزمان ملكات فطرية، وهي
وحدها الفعالة في موجبات أعمالنا وأقوالنا والجماعات لا تشذ عن هذه القاعدة.
لكن متى توفرت الوسائل العديدة وتمكن بها الفكر من نفس جماعة كان له قوة لا
تعارضها قوة، وأنتج آثارًا متعددة لا بد من الرضوخ لحكمها. قطعت الأفكار الفلسفية
التي أدت إلى الثورة الفرنساوية في سيرها نحو نفوس الجماعات ما يقرب من مئة عام،
وكل يعلم مقدار قوتها الجارفة بعد أن تمكنت منها. هبت أمة بتمامها لنيل المساواة
الاجتماعية وتحقيق الحقوق المعنوية وإقامة صرح الحريات التي تنتهي إليها الآمال،
فزعزعت التيجان وجعلت عالي الغرب سافله إذ تساجلت الأمم بالحروب عشرين عامًا
وشهدت القارة الأوروبية من سفك الدماء وقتل النفوس ما ينخلع له قلب تيمورلنك
وجنكيزخان، مشهد لم ير البشر قبله إلى أي حد يصل هول الفكر إذا انبثق.
وكما أن وصول الأفكار إلى نفوس الجماعات يقتضي زمنًا طويلًا كذلك خروجها
منها، لهذا كانت الجماعات دائمًا متأخرة في أفكارها عدة أجيال عن الفلاسفة والعلماء،
وكل رجال السياسة يعلمون اليوم ما في الأفكار السياسية المتقدم ذكرها من الخطأ،
ولكنهم يعلمون أن سلطانها لا يزال متمكنًا، لذلك هم مضطرون في قيادة الأمم إلى
مراعات مقتضياتها، ولما يعتقدوا بشيء من صحتها.