فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 102

(1) مما تجب ملاحظته أن هذا الفرق الذي جاء به العدول - لا عن قصد - بين

الجرائم المضرة بالهيئة والتي لا تكاد تضرها لا يخلو من صواب؛ إذ يجب أن يكون

الغرض من القوانين الجنائية حماية الهيئة من المجرمين المضرين بها لا الانتقام لها

مطلقًا. غير أن الغالب على واضعي قوانيننا وعلى قضاتنا هي فكرة الانتقام التي كانت

سائدة في زمن الشرائع القديمة. ودليلنا على هذا الميل في قضاتنا أن الكثير منهم لا

يزال يأبى العمل بقانون (بيرانجيه) الذي يبيح إيقاف التنفيذ، فلا يقضي المحكوم عليه

عقوبته إلا إذا عاد فأجرم، مع أن جميع القضاة يعلمون جيدًا أن تنفيذ العقوبة الأولى

يجره حتمًا إلى العود كما يؤيد ذلك الإحصاء. (لعل ذلك مبالغ فيه) وكأني بالقضاة

يعتقدون أنهم إذا أفلتوا محكومًا عليه لا يكونون قد انتقموا للأمة، فهم يفضلون خلق

مجرم يتعود الإجرام على عدم الانتقام.

(2) المحاكم عندنا هي المصلحة الوحيدة التي تكاد تكون لا مراقبة على أعمالها،

ومع ما أتته الأمة الفرنساوية من الثورات لا يوجد فيها حتى الآن قانون مثل قانون

(الإفراج) الذي تفتخر به الأمة الإنكليزية. نحن قد نفينا جميع الظالمين، ولكنا أقمنا في

كل مدينة قاضيًا يتصرف في شرف أهل الوطن وحريتهم كما يشاء. قويضي تحقيق

خرج حديثًا من مدرسة الحقوق وله القدرة المنفرة على سجن أعلى الوطنيين منزلةً

كما يريد لمجرد الشبهة منه في إجرامهم. وليس من يحاسبه على عمله. وله القدرة

على إبقائهم في سجنهم ستة أشهر، بل سنة بحجة التحقيق، ثم يخلي في سبيلهم ولا

ضمان لهم عليه، ولا يكلف لهم باعتذار، يفعل ذلك بمقتضى أمر القبض)، وهو مساوٍ

(لخطاب السجن) الذي عرفه آباؤنا الأولون، غير أن هذا الأخير كان لا يجوز استعماله

إلا للعظماء من الأكابر، وأما الأول فهو اليوم في يد طبقة من الوطنيين هم بعيدون جدٍّا

عن أن يكون الأكثر تهذيبًا والأكبر استقلالًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت