فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 102

فلما انطفأ هذا الاعتقاد ماتت مدينة روما، واستمر المتبربرون الذين خرَّبوا ملكها على

همجيتهم حتى إذا رسخت بينهم بعض المعتقدات العامة وُجد فيهم شيء من الامتزاج

والتآلف وخرجوا من الفوضى.

وعليه تعذر الأمم في دفاعها المستميت عن معتقداتها، إذ الحقيقة أن هذا التعصب

هو أرقى الفضائل في حياة الأمم وإن كان مذمومًا جدٍّا من الجهة الفلسفية.

ما أحرق أهل القرون الوسطى الألوفَ من الناس إلا للدفاع عن معتقد عام موجود

أو لإدخال معتقد عام جديد في النفوس. وما مات الكثير من المخترعين والمبتدعين والأسى

ملء قلوبهم إلا لأنهم لم ينالوا قسطًا من العذاب لأجل تلك المعتقدات، وما اضطربت

الدنيا المرة بعد المرة إلا للدفاع عنها، وما ماتت الملايين في ساحة الوغى إلا بسببها،

وكذلك يكون في مستقبل الأيام.

من الصعب غرس معتقد جديد، لكنه بعد أن يتمكن من النفس يدوم شديد التأثير

زمنًا طويلًا، وكيفما كان خطأً من الجهة الفلسفية، فإنه يتسلط على أكبر ذوي الألباب،

بدليل أن الأمم الأوروباوية دانت لأقاصيص واعتقدتها حقائق لا شك فيها خمسة عشر

قرنًا، والمتأمل في تلك الأقاصيص يراها أحق بالقوم الهمج 2، كأقاصيص (مولوخ) 3 هكذا

بقي العالم قرونًا وهو لا يفقه تلك الخرافة الرائعة القائلة بأن إلهًا ذاق ابنه عذاب

الهون انتقامًا ممن عصاه مِن خلقه، ولم يجل بخاطر أعظم الرجال عقلًا وإدراكًا مثل

(غاليله) و (نيوتن) و (لايبنيتز) ، أنه يجوز النظر في حقيقة هذه الأفكار، ذلك مما يبرهن

على قوة استيلاء المعتقدات العامة وسحرها منفوس، ولكنه يبرهن أيضًا على أن العقل

محدود بحدود مخجلة.

ومتى تمكنت عقيدة جديدة من نفوس الجماعات أصبحت مصدر نظاماتها

ومرجع فنونها وقاعدة سيرها. هنالك يستحكم سلطانها وتتم غلبتها، فترى أهل العزائم

لا يفكرون إلا في تحقيقها، وواضعي القوانين إلا في الأخذ بها، والفلاسفة وأرباب الفنون

والكتاب إلا في تمثيلها على صور شتى.

وقد يتولد عن العقيدة العامة أفكار وقتية ثانوية، إلا أنها تكون على الدوام

مصبوغة بصبغتها، فقد تولدت حضارة المصريين وحضارة الأوروبيين في القرون

الوسطى وحضارة المسلمين من عقائد دينية قليلة العدد، طبعت كل عقيدة منها خاتمها

على كل جزئية من جزئيات حضارتها وسهلت بذلك معرفتها.

من هذا يتبين أن الفضل للعقائد العامة في إحاطة أهل كل عصر بتقاليد وأفكار

وعادات تقيدوا بها وصاروا متشابهين، والذي يهدي الناس في سيرهم إنما هي الأفكار

والعادات المتولدة عن تلك العقائد، فهي الحاكمة على أعمالنا جليلها وصغيرها، وكيفما

سمت مداركنا فإنا لا نفكر في الخلاص منها، إذ الاستبداد الحقيقي هو الذي يدخل

على النفوس من طريق الغرائز؛ لأنه هو الذي لا يتمكن المرء من محاربته، فلقد كان

تيبير و) جنكيزخان (و) نابليون (جبارين مستبدين، ولكن استئثار» موسى «و» بوذا «

و» عيسى «و» محمد صلى الله عليه وسلم «و» لوتر «وهم في القبور أشد وأبقى.

إن مكيدة قد تبيد سطوة الجبار، ولكن ماذا ينفع الكيد في عقيدة استقرت في النفوس، قامت

حرب عنيفة بين الثورة الفرنساوية والدين المسيحي وكانت الجماعات في ظواهر الأمر

من جانب الأولى، واستعمل الثوار من وسائل القهر والاضطهاد ما استعمله الأندلسيون،

والثورة هي التي دارت عليها الدائرة، إنما الجبابرة الذين سادوا في البشر هم خيال الأموات

أو الأوهام التي أوجدتها الأمم لنفسها.

ما كان بطلان العقائد العامة من حيث النظر والفلسفة مانعًا من استظهارها،

وقد يظهر أن فوزها مشروط باحتوائها على شيء من الهزء الخفي. وإذا كانت مذاهب

الاشتراكيين في العصر الحاضر واضحة الضعف، فليس ضعفها هذا هو الذي يكون سببًا

في عدم استيلائها على نفوس الجماعات، وإنما السبب في انحطاطها عن جميع العقائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت