على أمر لم تكد تفرغ من التهليل له.
ينتج عن فقدان ضابط للرأي واقتران ذلك بانحلال الاعتقادات العامة تفتت اليقين
وتمزق الوجدانيات وعدم اهتمام الجماعات بشيء لا تظهر فيه لها منفعة حاضرة
ظهورًا تامٍّا. وأما المذاهب كالاشتراكية، فإن حماتها المخلصين من أجهل الطبقات كعمال
المعادن والمصانع، أما متوسطو الحال وكل من ناله قليل من التعليم فهم في شك من
كل شيء أو هم كثيرو التقلب.
التطور الذي تم من هذه الجهة في الخمس والعشرين سنة الماضية واضح. فقبل
ذلك والعهد قريب كان للأفكار وجهة عامة؛ لأنها كانت مشتقة من بعض اعتقادات
أصلية، وكان للملوكي بمقتضى كونه ملوكيٍّا أفكار وآراء ثابتة في التاريخ وفي العلوم،
وكان للجمهوري بمقتضى كونه جمهوريٍّا أفكار وآراء تناقض الأولى على خط مستقيم،
الأول يعتقد أن الرجل ليس متولدًا من القرد والثاني يعتقد الضد تمامًا. الأول يرى من
الواجب عليه إذا تكلم في الثورة أن يغضب وينفر والثاني أن يعجب ويبالغ في التعظيم
والتبجيل. وكان من الناس من لا يجوز ذكر اسمه إلا مقرونًا بالخشوع والإجلال
مثل (روبسبيير) و (مارات) ، أو متبوعًا بالترذيل والامتهان مثل (قيصر) و (أوغسطس)
و (نابليون) ، وعم هذا المذهب السخيف في التاريخ حتى تفشى في مدرسة (السربون)
نفسها. 6
ليس لفكر ولا لرأي في هذه الأيام وقع في النفوس لكثرة المناظرة والتحليل مما
يذهب بطلاوتها، ولا يجعل تأثيرًا للبقية، والذي ينفرد به أهل هذا الزمان هو عدم
الاهتمام بالأمور شيئًا فشيئًا.
على أنه ينبغي أن لا نحزن من انتشار الأفكار، نعم لا شبهة في أنه منذر بانحطاط
الأمة، لأنه من المحقق أن تأثير أهل الخيالات والرسل وقواد الجماعات، وعلى الإطلاق
جميع الذين سكن اليقين قلوبهم، أكبر جدٍّا من تأثير أهل الجحود والنقادين ومن لا
يهتمون بشيء. لكن لا يذهب عنا أنه إذا تمكن رأي واحد من النفوس والجماعات على
ما هي عليه الآن من القوة والنفوذ لا يلبث أهله أن يصيروا مستبدين استبدادًا يذل
له كل ما في الوجود، ويغلق باب حرية الأفكار وحرية النقد زمنًا طويلًا. لا يقال إن
من سلاطين الجماعات من كان ندي الخلق لين الملمس لأن طبعها قلب، فهي هوائية
سريعة الغضب والانفعال، فإذا قُدر لحضارة أن تقع في يدها أصبحت هدفًا للطوارئ
والمصادفات، وقصر بذلك أجلها وإن كان يرجى تأجيل زمن الانحدار والسقوط، فإنما
يكون ذلك من شدة تقلبات آراء الجماعات وعدم اهتمامها بالاعتقادات العامة.