يميل إلى الدوام في فلاحته، وأقل الناس في الطبقة الوسطى لا يختار لأبنائه عملًا إلا
في وظائف الحكومة. والمدرسة لا تربي رجالًا قادرين على الحياة، وإنما تخرج عمالًا
لوظائف ينجح فيها الإنسان دون أن يهتم بقيادة نفسه ولا أن يتقدم إلى عمل من ذاته.
فهي توجد في أسفل سلم الهيئة الاجتماعية جيوشًا من الصعاليك الممتعضين المتهيئين
دائمًا للثورة. وفي أعلاه طبقتنا الوسطى الفارغة الحذرة المغفلة التي تعتقد اعتقادًا دينيٍّا
في قدرة الحكومة وبعد إمكانها، وهي مع ذلك لا تنفك عن القدح فيها والتي تخطئ ثم
توآخذ الحكومة بما أخطأت، والتي لا تقدر على القيام بعمل لا يد للحكومة فيه.
أما الحكومة التي تصنع حملة الشهادات من تلك المختصرات فلا يسعها أن
تستصنع منهم إلا القليل، وتترك الباقين بالضرورة بلا عمل، فوقعت بذلك بين ضرورة
تغذية أولئك والصبر على عداء هؤلاء. احتشد ذلك الجمع العظيم من حملة الشهادات
يحاصر جميع الوظائف من القمة إلى القاعدة، أي من الكاتب الصغير إلى المعلم فالمدير،
وصرنا نرى التاجر لا يجد إلا مع الشفقة نائبًا يتولى أعماله في المستعمرات. ونشاهد
الألوف من الشهادات مكتظة أمام باب كل وظيفة مهما صغرت. ويوجد الآن في مديرية
السين وحدها من المعلمين والمعلمات عشرون ألفًا لا عمل لهم ترفعوا عن المعامل والمصانع
وشخصوا إلى الحكومة يطلبون القوت منها، ولما كان عدد الذين يختارون منهم قليلًا،
فعدد الغضاب كثير بالضرورة، وهؤلاء مستعدون لكل نوع من أنواع الثورة والهرج
تحت قيادة أي رئيس كان وكيفما كان الغرض. ذلك لأن اكتساب معارف لا يجد صاحبها
سبيلًا إلى استعمالها هو من أنجع الوسائل في تهيئة المرء إلى الخروج على أمته. 1
ومن الواضح أن الوقت قد فات لمقاومة هذا التيار، وإنما التجارب وهي آخر مرب
للأمم، ستُظهر لنا خطأنا، فهي التي تبرهن على ضرورة الإقلاع عن استعمال تلك الكتب
الرديئة وإبطال هذه الامتحانات التعسة واتباع طريقة تعليم فني عملي يرد النشء إلى
المصانع والمعامل والمشروعات الاستعمارية، وغير ذلك من الأعمال التي يجتهد أولئك
النشء في الهرب منها.
هذا التعليم الفني الذي تطلبه الآن العقول النيرة هو الذي تلقاه آباؤنا وهو الذي
حافظت عليه الأمم التي تحكم الدنيا بقوة إرادتها وبما أوتيت من الإقدام الذاتي في
الأعمال، والقدرة على التصرف بالمشروعات.
كتب أحد كبار المفكرين موسيو (تاين) صفحات في هذا الموضوع ما أجلها، وسأنقل
للقراء طرفًا عنها فيما يلي، فأبان بأوضح برهان أن تربيتنا في الماضي كانت تماثل التربية
عند الإنكليز أو الأمريكان في الوقت الحاضر أو ما يقرب من ذلك، ثم أتى بمقارنة جميلة
بين الطريقة اللاتينية والطريقة الإنكليزية، وأعرب بأفصح لسان عن نتائج الاثنتين.
ولو كان الاكتساب السطحي لتلك المعارف الكثيرة وإجادة تلاوة تلك الكتب التي
لا عد لها مما يرقي ملكات العقل فينا، لأجهدنا النفس لاحتمال مضار التربية التي
تعودناها، ولو لم تخرج إلا عطلة ممتعضين، فهل لها هذا الأثر؟ لا، والأسف يملأ قلبنا
أن الإدراك والتجارب والإقدام والخلق هي عدة الحياة ولا نجاح إلا بها، وليس شيء من
ذلك في الكتب. الكتب معاجم يستفيد المرء من مراجعتها، لكن مما لا فائدة فيه نقل
الفصول المطولة منها إلى الدماغ.
أما كون التعليم الفني يربي العقل بما لا ينال من التربية العلمية الجارية، فذلك
ما شرحه مسيو (تاين) شرحًا وافيًا إذ قال: «لا تتولد الأفكار إلا في مولدها الطبيعي
الاعتيادي، والذي ينبت بذورها هو المؤثرات الكثيرة المختلفة التي يتأثر بها الشاب كل
يوم في المصنع والمعدن والمحكمة ومكتب المحامي ودائرة الأشغال والمستشفى، ومن
مشاهدة الآلات والعدد والأدوات، ومن العمليات، ومن اجتماع المبتاعين والفعلة، ومن
العمل نفسه، ومما يصنع رديئًا كان الصنع أو حسنًا غالي الثمن أو رخيصًا. هذه هي
الملتقطات الصغيرة التي تتناولها العين والأذن أو الأيدي أو الشم أيضًا التقاطًا غير