فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 102

مقصود، حيث تجتمع وتختمر وتأخذ لها حيزًا تنتظم فيه من نفس الشاب فترشده

عاجلًا أو آجلًا إلى تركيب جديد أو تبسيط مركب أو طريقة اقتصاد، أو تحسين اختراع،

والشاب الفرنساوي محروم من هذا الامتزاج النفسي؛ فقد غابت عنه كل هذه العناصر

السهلة التناول الضرورية في الوقت الذي هو أحوج للاستفادة منها، لأنه مقصور مدى

سبع سنين أو ثمانٍ في المدرسة بعيدًا عن التجارب الشخصية السهلة القريبة المنال

التي تحصل في الذهن صورة قوية صحيحة من الأشياء والناس، وتكسب معرفة الطرق

المختلفة لاستعمال ذلك كله، فضاع على تسعة من العشرة وقتهم وتعبهم مدى سنوات ما

كان أنفعها وأكبر أهميتها، بل قد كانت تكون الحد الفاصل بين بؤس ماضٍ ومستقبلٍ

سعيد، إليك أولًا نصف الذين يتقدمون إلى الامتحان أو الثلثين أنهم لا ينجحون، وأخرج

من بين الناجحين نصفهم أو ثلثيهم، وهم الذين أبلاهم الدرس فلا يعودون ينفعون،

كلفوهم بما لا يطيقون إذ طلبوا منهم يوم يجلسون على مقعد أو أمام لوحة أن يكونوا

مدى ساعتين أشبه بمعجم يلقي على السامعين جملة من العلوم التي يبحث فيها عن

جميع ما علم الإنسان، والواقع أنهم كانوا ذلك أو ما يقرب منه مدة ساعتين، ولكنهم لا

يبقون كذلك بعد مضي شهر من الزمان، فلا يقدرون أن يجوزوا الامتحان مرة أخرى

لأن معارفهم كانت كثيرة كثيفة فتسربت من عقولهم، ثم هم لا يكسبون منها جديدًا،

لأن الملكات ألقت سلاحها ونضب ماء الإثمار منها. إذ ذاك يبرز الشاب وعليه مخايل

الرجل التمام، وهو في الغالب الرجل الذي قد فرغ منه. هذا الرجل يجمع إليه نفسه ثم

يتزوج ويوطن النفس على أن يدور في دائرة معينة، وأن يستقر على الدوران في الدائرة

عينها وينزوي إلى العمل الضيق الذي أقام فيه وصار يؤديه بانتظام، ولا شيء بعد ذلك.

هذه هي الثمرة في المتوسط، ولا شك في أن الوارد لا يساوي المنصرف. أما في إنكلترا وفي

أمريكا كما كان في فرنسا قبل سنة 1789، فإنهم يستعملون عكس ذلك وعندهم تساوي

الثمرة ماصرف أو تربو عليه.»

وبعد ذلك شرح لنا هذا المؤرخ المجيد الفرق بين طريقتنا وطريقة الإنكليز

السكسونيين، فأبان أن ليس لهؤلاء من المدارس الخصوصية الكثيرة ما لنا، وأن

التعليم عندهم لا يتلقى من الكتاب بل من الشيء نفسه، فالمهندس مثلًا يتكون في المصنع

لا في المدرسة، وهو ما يسمح لكل واحد أن يصل في حرفته إلى الحد الذي تصل إليه قدرته

العقلية فيكون عاملًا أو رئيس عمال إذا قعد به الذكاء عند هذا القدر، وهو مهندس

إذا قاده استعداده إلى هذا الدرج. تلك هي الطريقة الديمقراطية المثلى وفيها الفائدة

الصحيحة للأمة، لا التي تجعل مستقبل المرء كله معلقًا على نتيجة امتحان يؤديه الطالب

وهو في التاسعة عشرة أو المتممة للعشرين مدة سويعات معدودة، قال موسيو (تاين) :

يدخل التلميذ والعود أخضر في المستشفى أو المعدن أو المصنع أو مكتب

المتشرع، فيتعلم ويقضي زمن التمرين كما يفعل كاتب المحامي أو المبتدئ

في الحرفة عندنا، ويكون قد تلقى أولًا بعض دروس عامة مختصرة أوجدت

فيه محيطًا تعشش فيه الملاحظات التي تعرض له من يوم دخوله، ومع ذلك

يجد كل يوم بجانبه دروسًا فنية يختلف إليها في أوقات الفراغ، ويتمكن بما

يستفيده منها من ترتيب تجاربه وتنسيقها كلما اكتسب شيئًا منها. هذا نظام

تنمو فيه القدرة العملية وتتقدم من نفسها بحسب ما تسمح به ملكات التلميذ

وتسير في طريق العمل المستقبل الذي اختار التمرن عليه منذ الآن. وبهذه

الواسطة يتمكن الشاب بسرعة من أن ينتزع من نفسه كل ما ملكت، ويصير

منذ الخامسة والعشرين وأحيانًا قبل ذلك إن ساعدته كفاءته ومادته منفذًا

نافعًا، بل مبدئًا مقدامًا مندفعًا من ذاته، فهو عجلة في الآلة، وهو أيضًا المحرك

لها.

أما في فرنسا حيث سارت الطريقة الأخرى وصارت تقرب من طريقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت