فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 102

أهل الصين في كل جيل، فإن مجموع القوى الضائعة عظيم.

ثم استنتج ذلك الحكيم الكبير مما تقدم النتيجة الآتية التي تدل على مخالفة تربيتنا

اللاتينية لمقتضيات الحياة مخالفة تعظم كل يوم، فقال: امتد زمن التحضير النظري

في أدوار التعليم الثلاثة: الطفولية والصبا والشباب، وقد زادت المواد على حد الطاقة

والتلميذ جالس على المقعد وعيناه في الكتاب انتظارًا ليوم الامتحان، يوم ينال الشهادة،

يوم تتقرر الرتبة، يوم تعطى الإجازة أو الامتياز، لا انتظارًا لشيء آخر. وقد أعدوا لذلك

أردأ الوسائل فأخضعوا التلميذ لنظام تأباه الطبيعة وتنفر منه دواعي الاجتماع، فأجلوا

التمرين العملي وقصروا التلامذة في حجور المدارس وربوهم تربية جسمانية صناعية

وشحنوا الذهن شحنًا ماديٍّا بالمواد، وأجهدوا الفكرة وكلفوهم فوق المستطاع غير ملتفتين

إلى المستقبل ولا مهتمين بسن الرجولة ولا بالوظائف التي لا بد للطالب من القيام بها

إذا اكتمل، ولا ناظرين إلى الوجود الحقيقي الذي أضحى على وشك الهبوط إليه، ولا

بالجمع المتلاطم الذي يجب تطبيعه بطبائعه أو إخضاعه لأحكامه قبل الانطلاق فيه،

ولا بالمعترك الإنساني الذي يلزم المرء فيه أن يأخذ أهبته ويتقلد عدته ويتدرب ويتقوى

ليتمكن من الكفاح، ويبقى قائمًا على قدميه. مدارسنا لا تُكسب الشاب هذا المتاع على

ضرورته وكونه أهم ما يجب أن يقتنى، لا تكسبه ملكة حسن التمييز ولا مكنة الإرادة

ولا صلابة الأعصاب، بل على الضد من ذلك بدلًا من أن تجهزه وتهيئه، فإنها تضعفه

وتبعد وجه الشبه بينه هو ومستقبله القريب المحتوم، لذلك تراه غالبًا يسقط في أول

خطوة يخطوها بين الناس، ويكون في بداية أمره كلما مد يده للعمل تولاه الكمد وأخذه

الخزي زمانًا طويلًا، وقد يصير كالأعرج ويبقى كذلك دائمًا. تجربة قاسية ذات خطر

تضطرب فيها الأخلاق ويختل ميزان العقل ويخشى من البقاء هكذا على الدوام، فقد

انكشف الستار وولى الخيال وعظم اليأس واشتد الأسى. 2

كأني بالقراء يظنون أنا قد بعدنا عن موضوعنا روح الاجتماع، لكن ما زلنا فيه لأنه

يجب علينا لمعرفة الأفكار والمعتقدات التي تتولد الآن في الجماعات أن نعرف كيف هُيئت

الأرض التي تنبت فيها، فالتعليم الذي يعطي الأمة هو المرآة التي يرى فيها مصيرها

يومًا من الأيام، والذي يبذل منه الآن لشباننا يدل على مستقبل مظلم جدٍّا. كذلك نفوس

الجماعات إنما تتحسن، أو تفسد من بعض الجهات بواسطة التربية والتعليم، لهذا وجب

أن نعرف كيف هيأت الطريقة المتبعة عندنا في التعليم روح جماعاتنا، وكيف أنها بعد أن

كانت لاهية بنفسها أو لا تشتغل بغيرها تحولت إلى جيش كثيف من الممتعضين مستعد

لتنفيذ ما يشير به المتهوسون أهل التخيلات أو المتفيهقون تجار الكلام، فالآن نحن نعلم

أن الاشتراكيين والفوضويين يربون في المدارس، وأن فيها تحضر أوقات انحطاط الأمم

اللاتينية عما قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت