فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 102

المستنيرين، ولكنا أقمنا الدليل على أن قراراتهم في هذه الحالة لن تختلف مع التي تصدر

الآن. ومنهم من يتذرع بالخطأ الذي يقع من العدول فيذهب إلى تبديلهم بالقضاة،

ونحن لا ندري كيف غاب عنهم أن ذلك الخطأ الذي بالغوا في نسبته إلى العدول إنما

سبقهم به القضاة، لأن المتهم لا يمثل بين يدي أولئك إلا بعد اعتباره جانيًا من كثير من

هؤلاء، من قاضي التحقيق ورئيس النيابة ودائرة الاتهام. ألا يرى أنه لو سُلم الحكم

النهائي عليه إلى القضاة بدل العدول فاتته الفرصة الوحيدة للوصول إلى إظهار براءته.

إنْ يخطئ فقد أخطأ القضاة من قبلهم، فالوزر على هؤلاء وحدهم في كل خطأ قضائي

مفزع، كالحكم الذي صدر أخيرًا على الطبيب (فلان) إذ اضطهده أحد قضاة التحقيق

المعروفين بقصرالعقل، لأن شابة تكاد تكون من البله اتهمته بأنه أسقط حملها مقابل

جعل قدره ثلاثون فرنكًا، ولولا ثورة الرأي العام وصدور العفو عنه لذلك عقب الحكم

عليه لأرسل إلى سجن الأشغال الشاقة. ظهر في هذه الحادثة أن خطأ الحكم كان فاحشًا

بمقدار إجماع الناس على وضوح براءة المحكوم عليه، وكان القضاة أنفسهم مقتنعين

بذلك، لكن تحزبهم لطائفتهم دفعهم إلى استنفاد كل وسيلة ليمنعوا العفو عن ذلك

البريء. والحاصل أنه متى كانت الدعوى ذات أحوال خصوصية فنية لا يدركها العدول

ترى هؤلاء مضطرين إلى الأخذ بأقوال النيابة العمومية لاعتقادهم أن الذي حقق التهمة

قضاة لهم خبرة تامة بمثل هذه المسائل. وليت شعري من يكون المخطئ الحقيقي

حينئذٍ: العدول أم القضاة. يجب أن نحرص على العدول حرصنا على النفيس، فربما

كانوا هم الجماعة التي لا يمكن أن يقوم الفرد مقامها، وهم الذين يتيسر وحدهم أن

يخففوا من شدة القانون، فهو بمقتضى كونه واحدًا لجميع الناس أعمى يضع القواعد

مطلقة ولا يعرف الشواذ. أما القضاة فلا تدخل الشفقة عليهم من باب، ولا يعرفون

إلا النص وهم قساة بمقتضى صناعتهم. فلا يفرقون في الحكم بين وغد ثقيل النفس

المجرمة وفتاة هَجَرها من غواها وعضها الفقر فوارت مولودها. لكن العدول يشعرون

بفطرتهم أن تلك الفتاة التي خُدعت أقل إجرامًا من الذي خدعها ولا سلطان للقانون

عليه، وأنها جديرة بكل عطف وحنان.

لقد عرفت حقيقة روح الطوائف كما عرفت روح الجماعات الأخرى، ولكني لم

أوفق إلى معرفة حالة أكون متهمًا فيها بجرم، وأفضل القضاة على العدول ليحكموا

فيها؛ لأن بعض الأمل في البراءة أمام هؤلاء، والأمل ضعيف أمام أولئك. حذار من سطوة

الجماعات وحذار ثم حذار من سطوة بعض الطوائف، فقد تلين الأولى ولكن الثانية لا

تلين أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت