أطيل الكلام فيه ولكني أشير إلى أن اختلاف المعاني واتحاد الألفاظ عند الأمم المختلفة
يكون بالأخص فيما يكثر استعماله منها على لسان الجماعات مثل لفظي ديموقراطية
واشتراكية اللذين شاع استعمالهما الآن.
الأفكار والصور التي تتحصل من هذين اللفظين تختلف اختلافًا بَيِّنًا عند الجنسين
اللاتيني والإنكليزي السكسوني، فمعنى الديمقراطية عند الأول انزواء إرادة الفرد
وإقدامه على العمل من نفسه أمام إرادة المجموع وهمته، والمجموع تشخصه الحكومة، 1
فالحكومة هي المكلَّفة بإدارة كل شيء وحصر كل شيء واحتكار كل شيء وصنع كل شيء،
وهي التي تلجأ إليها دائمًا الأحزاب بلا استثناء من أحرار إلى اشتراكيين إلى ملكيين. وعلى
الضد من ذلك يفهم الإنكليزي السكسوني وبالأخص الأمريكي من كلمة ديموقراطية نمو
إرادة الفرد وإقدامه الذاتي إلى الحد الأقصى وانزواء الحكومة بقدر ما أمكن، فلا تكلف
بعد الشرطة والجيش والعلاقات السياسية بشيء حتى التعليم. وعليه فاللفظ الواحد
يفيد في بلد جمود إرادة الفرد وسكون إقدامه الذاتي واستعلاء كلمة الحكومة، ويفيد في
بلد آخر انزواء هذه وارتفاع صوت الأول. 2