بخاطر واحد منهم طائف الحرية في الأفكار أيام كان أكبر الجرائم النادرة الوقوع تطرق
البحث إلى الآلهة أو القوانين أو العادات في مدينة من المدن، فكان معنى وطن عند أهل
أتينا أو أهل إسبرطة تمجيد المدينة لا البلاد اليونانية؛ لأنها كانت مدائن متباغضة وفي
حرب مستديم، ولم يكن لهذا اللفظ معنى عند أهل الغلوا الأقدمين، وهم قبائل متنافرة
وأجناس متغايرة، وأهل لغات متنوعة، وديانات شتى، وقهرهم قيصر بدون عناء إذ كان
له من بينهم حلفاء على الدوام، وروما هي التي أوجدت وطن الغلوا بإيجادها الوحدة
السياسية والدينية فيها. ما لنا ولذلك الزمن البعيد، فمن قرنين اثنين لم يكن للفظ
الوطن في نفوس الأمراء الفرنساويين ما نفهم نحن منه الآن إذ كانوا يحاربون الأجنبي
على ملكهم كما فعل البرنس كونديه، ولا في نفوس المهاجرين الذين كانوا يعتقدون أن
الشرف وحفظ العهد يقضيان عليهم بمحاربة فرنسا، وكانوا يعملون بهذا الاعتقاد لأن
نظام حكم الشرفاء كان يربط التابع بالمتبوع لا بالبلاد التي هو منها، فحيثما كان
المتبوع يوجد الوطن.
وما أكثر الألفاظ التي تغير معناها تغيرًا كليٍّا من جيل إلى جيل، ولم نعد ندرك
معانيها الأولى إلا مع الجهد والمشقة، ولقد أصاب القائل بوجوب الاطلاع على كتب كثيرة
للوقوف على ما كان يفهمه آباء أجدادنا من بعض الألفاظ مثل ملك وعائلة ملكية، فما
بالك بغيرها مما له معنى دقيق.
نتج من هذا أن معاني الألفاظ غير ثابتة، وأنها عرضية أي وقتية تتغير بتغير
الأجيال وتختلف باختلاف الأمم، فإذا أردنا أن نؤثر في الجماعات لزمنا أن نعرف معنى
الألفاظ عندها وقت مخاطبتها لا معناها القديم، ولا الذي يفهمه منها من يختلف معها
في الفكر والمعقول.
ومن أجل هذا متى تمت الانقلابات السياسية واستقرت معتقدات مكان أخرى
وتمكن بذلك نفور الجماعات من الصور التي تحضرها من بعض الألفاظ، وجب على
رجال السياسة الجديرين بهذا الاسم أن يسارعوا إلى تغيير تلك الألفاظ من دون أن
يتعرضوا لتغيير المسميات؛ لأن هذه مرتبطة بمزاج القوم الموروث ارتباطًا ليس من
السهل تغييره.
وقد لاحظ توكفيل منذ بعيد-وكان نقادًا-أن حيل أعمال القنصلية والإمبراطورية
(في فرنسا) كان إلباس القسم الأكبر من النظامات القديمة لباسًا جديدًا من الألفاظ،
أعني الاعتياض من ألفاظ أصبحت تؤدي في الأذهان صورًا مكروهة بألفاظ لا تثير
فيها هذا التأثر لحدتها، فسموا العوائد الشخصية ضرائب عقارية، والعونة ضرائب غير
مقررة ... وهكذا.
فمن أهم وظائف سواس الأمم تسمية المسميات التي صارت الجماعات لا تطيق
سماع أسمائها المعروفة بأسماء مقبولة، أو على الأقل لا مقبولة ولا مكروهة، لأن قوة
الألفاظ شديدة حتى إنه يكفي تسمية أشد الأشياء كراهة للجماعات بأسماء مختارة
لترضى بها. ومن هنا لاحظ (تاين) أن اليعقوبيين تمكنوا باسم الحرية والمساواة، وهما
كلمتان محبوبتان في زمانهما عند الناس،(من إقامة استبداد أحق به بلاد الداهومية
وتأليف محكمة شبيهة بمحكمة الاضطهاد، وإحداث مذابح في الناس شبيهة بمذابح بلاد
المكسيك).
فالحكام كالمحامين يرجع فنهم إلى اختيار الألفاظ وحسن استعمالها، وصعوبة هذا
الفن ناشئة من كون معنى اللفظ الواحد يختلف غالبًا باختلاف طبقات الأمة الواحدة
اختلافًا كبيرًا، فهي وإن استعملت الألفاظ بذاتها لا تتكلم مع ذلك بلغة واحدة.
رأينا في الأمثلة التي أتينا عليها أن الزمان هو أهم العوامل في تغيير معاني الألفاظ،
وكذلك تختلف المعاني في الزمن الواحد اختلافًا كليٍّا عند الأمم التي اختلفت في الجنس
وإن تماثلت في المدنية، ومن المتعذر إدراك ذلك لمن لم يسبق له تطواف طويل في الأمم، فلا