فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 102

وكان في مبدأ أمره سهل القياد، وإنما تولدت سلطة الجماعات رويدًا رويدًا بانتشار

بعض الأفكار التي رسخت في الأذهان أولًا وبتدرج الأفراد في تكوين الجماعات للوصول

إلى تحقيق تلك النظريات ثانيًا. فالاجتماع هو الذي ولَّد في الجماعات قوة إدراك منافعها،

ومع كونه ليس إدراكًا تامٍّا فهو ثابت متين، والاجتماع هو الذي جعلها تشعر بما لها

من القوة والسلطان، وهذا أصل تأسيس الجمعيات) السنديكات (التي تخضع أمامها

السلطات واحدة بعد الأخرى، وغرف التجارة (البورصات) التي تطمح إلى السيطرة على

العمل وأجور العمال، وإن خالفت في حكمها قواعد الاقتصاد وأصول تدبير الثروة العامة.

والجماعات هي التي تبعث اليوم إلى المجالس النيابية لدى الحكومة بوكلاء تجردهم

من كل حركة شخصية وكل استقلال، فلا يكون لهم من الرأي إلا ما رأته اللجان التي

انتخبتهم.

أخذت طلبات الجماعات الآن تترقى في مراتب الوضوح، وهي لا ترمي إلى أقل من قلب

الهيئة الاجتماعية الحاضرة رأسًا على عقب لترجع بها إلى حالة الاشتراك الأولى التي كانت

عليها العشائر قبل بزوغ شمس المدنية. تطلب الجماعات تحديد ساعات العمل ونزع

ملكية المعادن والسكك الحديدية والمعامل والمصانع والأطيان، وتطلب توزيع الثمرات بين

جميع الناس على السواء وإحلال الطبقات الوضعية محل الطبقات الرفيعة ... وغير ذلك.

الجماعات أقدر على العمل منها على التفكير، وقد أصبحت بنظامها الحاضرذات قوة

كبرى، وعما قريب يكون للمذاهب التي نراها اليوم في دور التكون من السلطان العظيم

على الأفكار ما للمذاهب التي رسخت أصولها في الاعتقادات، أعني سلطانًا مستبدٍّا لا تأثير

فوق تأثيره، فلا تعود تحتمل البحث أو الجدال، وحينئذٍ يقوم حق الجماعات المقدس

مقام حق الملوك الأقدسين.

ولقد استولى الهلع على قلوب الكُتاب الذين لهم منزلة لدى الطبقات الوسطى في

الأمم، وهم الذين يمثلون أكثر من غيرهم أفكارها الضيقة ونظرها القصير ويأسها غير

المبني على التأمل الصحيح، وحب الذات البالغ غايته، فخشوا عاقبة ذلك السلطان الجديد

الذي أخذ ينمو ويعظم، ومالوا إلى مقاومة ما استحوذ على الأفكار من الاضطراب، فولوا

وجوههم قبل الكنيسة مستصرخين بسلطانها الأدبي وتأثيرها الروحي بعد أن بالغوا في

احتقارها وغالوا في إهمال جانبها ونادوا بإفلاس العلم في طريق تهذيب النفوس، فهم

يرجعون من روما تائبين منيبين يدعوننا إلى الرجوع للتمسك بحقائق الوحي والتنزيل،

وفات أولئك المتدينين من جديد أن الوقت قد فات، وإذا صح أن الفيض الإلهي أخذ من

نفوسهم، فإنه لن ينال من نفوس جماعات لا تعتد كثيرًا بما يقلق ضمائر أولئك الزهاد،

فلم تعد ترغب في الأرباب التي رغبوا هم عنها بالأمس وكان لهم نصيب في تحطيمها،

وليسفي طاقة البشر ولا مما تتعلق به القدرة الإلهية جعل مياه الأنهار تصب في ينابيعها.

ما أفلس العلم ولا ذنب له في فوضى الأفكار التي انتشرت في هذا الزمان ولا في سلطة

الجماعات التي تنمو وسط تلك الفوضى، إنما العلم وعدنا كشف الحقيقة أو على الأقل

بيان النسب التي تربط الأمور بعضها ببعض مما تقدر على إدراكه، لكنه ما وعدنا السلام

ولا السعادة أبدًا. والعلم جماد بالنسبة لمشاعرنا وأصم لا يصل إليه صراخنا، وإنما نحن

الذين يجب عليهم أن يحملوا أنفسهم على الاتفاق معه، إذ لا شيء يقدر أن يعيد لنا تلك

الأوهام التي فرَّت أمام نوره.

توجد علامات عامة ظاهرة في جميع الأمم تدل على سرعة نمو سلطان الجماعات

نموٍّا لا رجاء في وقوفه آجلًا، ونحن خاضعون لحكمه حاملون كل ما أنتج بالقهر عنا،

فكل قول فيه باطل لا فائدة منه، ومن الجائز أن تولي الجماعات قياد الأمم يكون خاتمة

أدوار مدنية الغرب، فيرجع إلى الانغماس في أودية الفوضى التي يخال أنه لا بد لكل أمة

من اجتيازها قبل الوصول إلى دور الحضارة والرقي، ولكن أين السبيل إلى منع ما هو

كائن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت