فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 102

ينحصر الأثر الواضح لعمل الجماعات حتى الآن في هدم صروح المدنية، فالتاريخ

يدلنا على أنه كلما وهنت القوى الأدبية التي يقوم عليها بناء تقدم أمة من الأمم كانت

خاتمة الانحلال على يد تلك الجماعات الوحشية اللاشعورية التي سميت بحق متبربرة،

أما الذين أقاموا صروح المدنية وشيدوا أركان الحضارة فهم نفر امتازوا بسمو المدارك

وبعد النظر، ولكنا لم نر حتى الآن للجماعات أثرًا مثل هذا، فهي إنما تقدر على الهدم

والتحطيم وزمان حكمها زمان بربرية على الدوام؛ لأن المدنية لا تقوم إلا على مبادئ

مقررة ونظام ثابت وانتقال من العمل بمقتضى الغريزة إلى الاهتداء بنور العقل والبصر

بالمستقبل، ومرتبة راقية من العلم والتهذيب، وتلك وسائل برهنت الجماعات على أنها غير

أهل لتحقيقها إذا تركت وشأنها. ومثل الجماعات في قوتها الهادمة مثل المكروبات التي

تعجل بانحلال الأجسام الضعيفة وتساعد على تحلل الأجساد الميتة، فإذا نخرت عظام

مدنية تولت الجماعات نقض بنائها، هنالك يظهر شأنها الأول ويخيل لنا بادئ بدء أن

العامل في حوادث التاريخ هو كثرة العدد.

إنا لنخشى أن يكون هذا أيضًا مصير مدنيتنا، لكن ذلك الذي لا نعرف منه شيئًا

حتى الآن.

وكيفما كان الحال فلا مندوحة لنا عن الخضوع لحكم الجماعات؛ لأن أيديًا طائشة

أزالت بالتدريج جميع الحواجز التي كانت تمنع من طغيانها.

كثر الكلام على الجماعات ونحن لا نعرف من حالها إلا يسيرًا؛ لأن المشتغلين بعلوم

النفس عاشوا بمعزل عنها، فجهلوا أمرها على الدوام، وإنما اشتغلوا بها في الأيام الأخيرة

من جهة ما قد ترتكب من الجرائم والآثام. نعم توجد جماعات شريرة، إلا أن هناك أيضًا

جماعات فاضلة وجماعات ذات شجاعة ... وهكذا، فالنظر إليها من حيث الشر وحده

نظر للشيء من جهة واحدة، ولا يتصل الباحث لمعرفة إدراك الجماعات ببحثه في الجرائم

التي قد تصدر عنها، كما أنه لا يتوصل إلى معرفة إدراك الفرد بالبحث في عيوبه خاصة.

ومع ذلك فإن الذين سادوا على العالم وساسوا الأمم والممالك ممن شرعوا الأديان

وأسسوا الدول ورُسُلَ المذاهب كلها وأقطاب السياسة حتى رؤساء العشائر الصغيرة، كانوا

دائمًا من علماء النفس وهم لا يشعرون، فكانوا يعرفون روح الجماعات معرفة فطرية،

وكانت تلك المعرفة صادقة في أغلب الأحايين، ومعرفتهم لذلك جيدًا هي التي مكنتهم

من السيادة عليها. كان نابليون واسع الخبرة بأحوال الجماعات النفسية في البلاد التي

انبسطت يده عليها، ولكنه جهل غالبًا روح الجماعات في شعوب أخر، كذلك كان شأن أكبر

مستشاريه فإنهم أيضًا لم يفقهوا حقيقة حال الجماعات الأجنبية عن أمتهم، فقد كتب

له (تايلران) أن إسبانيا تلاقي جيوشه لقاء المنجدين، فلما زحفت إليهم استقبلهم كما

تستقبل الوحوش الكاسرة، ولو أنه كان على شيء من العلم بما ورثت تلك الأمة من الأميال

لسهل عليه معرفة هذا الاستقبال. ذلك هو السبب في أن نابليون قام في بلاد الإسبان وفي

بلاد الروسيا على الأخصب حروب كانت عاقبتها التعجيل بسقوطه.

معرفة روح الجماعات أصبحت اليوم آخر ملجأ يأوي إليه السياسي العظيم، لا لأجل

أن يحكمها، فقد صار ذلك الآن صعبًا كثيرًا، بل ليخفف عنه شدة تأثيرها.

وإذا أردنا أن نعرف ضعف تأثير القوانين والنظامات في الجماعات، فإنما السبيل

إلى ذلك تدقيق البحث لمعرفة روحها والوقوف على أحوالها النفسية، وبذلك نفقه أيضًا أنه

لا قدرة لها على تكوين رأي أو التفكير في شيء خارج عن الدائرة التي رسمت لها، وأنها

لا تقاد بقواعد العدل النظرية، بل بالبحث عما من شأنه التأثير فيها واختلابها. فلو أراد

وازع فَرْضَ ضريبة جديدة وجب عليه أن لا يختار التي هي أقرب للعدل من حيث قواعد

الاقتصاد في ذاتها، فربما كان أبعدها عن العدل أكثرها قبولًا بالفعل عند الناس، فإن كانت

هذه الأخيرة أيضًا أقل وضوحًا وأخف حملًا في الظاهر، كان ذلك أدعى إلى قبولها؛ لهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت