كانت الضريبة المقررة مقبولة لدى الجمهور كيفما كانت باهظة لأنهم يؤدونها تدريجًا
على أقسام صغيرة عند شراء حاجاتهم اليومية، فهي لا تضيق عليهم فيما ألفوه ولا تؤثر
فيهم لذلك تأثيرًا غير محمود، فإذا بُدلت هذه الضريبة بضريبة الإيراد أو الأجور بحيث
يدفعونها مرة واحدة علت أصوات الشكوى من كل جانب، ولو كانت هذه الضريبة أخف
من تلك عشر مرات ذلك لأن مبلغًا ذا قيمة ظاهرة حل محل فلس يُدفع بالتدريج يومًا
بعد يوم ووجب أداؤه دفعة واحدة، وفي ذلك من موجبات الضجر ما لا يخفى، ولو أنهم
اقتصدوه درهمًا إلى درهم لَبَان لهم ضعفه وما شعروا بثقله، لكن هذه وسيلة اقتصادية
تقتضي شيئًا من التبصر، وذلك ما لا تقدر الجماعات عليه.
المثال الذي قدمناه من أسهل الأمثال ومعرفة صحته ميسورة للكافة، وهو لم يغب
عن متفرس مثل نابليون، لكن المشرعين الذين جهلوا حياة الجماعات لا يدركونه؛ لأن
التجارب لما تعلمهم أن الناس لا يسيرون أبدًا على مقتضى قواعد العقل وحده.
ومن السهل الإكثار من الأمثلة التي ينطبق عليها علم روح الاجتماع، فمعرفة ذلك
العلم توضح وضوحًا تامٍّا عددًا كبيرًا من الحوادث التاريخية والاجتماعية يستحيل إدراك
حقيقتها بدونه، وسأبين في حينه أن السبب في كون أكبر مؤرخي الأعصر الحاضرة -
وأعني به المسيو (تاين) - لم يفقه تمامًا بعض حوادث الثورة الفرنسية، إنما هو لأنه
لم يشتغل بالبحث في روح الجماعات، بل استرشد في الكلام على هذا القسم العويص
من التاريخ بطريقة الطبيعيين التي هي تصوير الحوادث ووضعها، غير أن القوى الأدبية
ليست مندرجة فيما يبحث فيه الطبيعيون إلا شذوذًا مع أن تلك القوى هي التي تقوم
عليها دعائم التاريخ.
معرفة أحوال الجماعات النفسية ضرورية سواء أردنا من ذلك جانبها العملي أو
الرغبة في مجرد الوقوف على ما هو كائن، فمن المفيد استكناه أسباب الأفعال التي تصدر
عن الإنسان، كما أنه من المفيد معرفة حقيقة المعدن أو الغراس.
سيكون كلامنا في روح الاجتماع موجزًا بمعنى أنه سيكون تلخيصًا لمباحثنا فلا
يطلبن القارئ منه إلا بعض أفكار ترشد إلى غيرها، ولغيرنا أن يوغل في الموضوع، أما
نحن فإنما نخططه على أرض لا تزال عذراء. 1