دار في اجتماع كان الحاضرون فيه كلهم من الطلبة نقلًا عن جريدة الطان الصادرة
في 13 فبراير سنة 1895: «كلما أوغل الليل ازداد الهياج، ولا أظن أن خطيبًا واحدًا
لفظ جملتين من دون أن يقطع الكلام عليه، إذ الصراخ كان يعلو في كل لحظة تارة
هنا وتارة هناك وآونة من جميع الجهات، هؤلاء يصفقون وأولئك يصفرون، وكانت
المناقشات الشديدة تحتدم بين السامعين، فترى العصي تهدد الرءوس، والضرب على
الموائد كالنغمة، والاصطخاب مقذوفًا إلى المشوشين، هذا يقول: أخرجوه، وذاك يصيح:
إلى منبر الخطابة، ثم قام موسيو فلان وجعل يخاطب الحضور بقوله: هذا اجتماع ما
أشد قبحه وجبنه، هذا اجتماع وحشي، دنيء، رذيل متعصب، ثم أعلن أنه سيهدمه ...
.إلخ»
هنا يرد على الخاطر كيف يتمكن الناخب من تكوين رأيه وسط هذه الضوضاء،
غير أن هذا الخاطر يؤذن بأن صاحبه يجهل تمام الجهل مقدار الحرية التي توجد في
المجامع، وأن آراء الجماعات إنما تأتيها من طريق التسلط عليها لا من طريق الإقناع،
والذي يكوِّن الآراء ويجري الانتخاب في الحالة التي تبحث فيها هي اللجان، واللجان
يقودها في الغالب بائعوا النبيذ لما لهم من السيطرة على العمال بواسطة تسامحهم
معهم في تأجيل ثمن ما يشربون. قال موسيو (شيرر) وهو من أكبر أنصار الديمقراطية
في الوقت الحاضر»: أتعرفون ما هي لجنة الانتخاب، إنها عبارة عن مفتاح نظاماتنا،
وأهم قطعة من الآلة السياسية عندنا أن الذي يحكم فرنسا الآن هو اللجان «.1
لذلك ليس من الصعب جدٍّا التسلط على اللجان إذا كان المترشح مقبولًا وذا يسار
يفي بما يحتاج إليه في مثل ذلك. فثلاثة ملايين فرنك كفت باعتراف المتبرعين أنفسهم
لانتخاب القائد (بولونجيه) في مقاطعات عدة.
تلك روح جماعات الانتخاب مثلها مثل روح بقية الجماعات لا أحسن ولا أردأ.
وعليه فإني لا أستخلص مما تقدم نتيجة ضد الانتخاب العام، ولو أن الأمر بيدي
لأبقيته كما هو لأسباب عملية تنتزع من بحثنا في روح الاجتماع، فلنذكرها:
لا يسع أحدًا إنكار مضار الانتخاب العام لأنها واضحة كالشمس، فلا يماري في أن
المدنية عمل طائفة صغيرة من أهل العقول الراقية شبيهة بقمة هرم تتسع طبقاته كلما
انحطت الدرجة العقلية. وتلك الطبقات تمثل الطبقات البعيدة للأمة، وعظمة المدنية لا
تتوقف طبعًا على رأي العناصرالوضيعة التي ليس لها من القيمة إلا كثرة العدد، ومن
المحقق أيضًا أن آراء الجماعات خطرة في غالب الأحيان، فقد كلفتنا حتى الآن غارات
كثيرة على بلادنا، وإذا تم لها ما تعده من فوز الاشتراكية فمن المظنون أن أهواء سيادة
الأمة تكلفنا أضعاف ذلك أيضًا.
إلا أن هذه المطاعن القوية نظرًا تفقِد قوتها تمامًا من الجهة العملية إذا فكرنا
في قوة الآراء التي لا تغالب متى صارت عقيدة من العقائد، وعقيدة سيادة الجماعات
لا تختلف من الجهة النظرية مع العقائد الدينية التي وجدت في القرون الوسطى من
حيث الضعف في كلٍّ. غير أن ما كان لهذه من القوة في ذلك الزمان هو للأولى في
هذه الأيام، فهي منيعة حينئذٍ كما كانت أفكارنا في تلك القرون. لنفرض أن رجلًا من
أهل الأفكار الحرة أي المطلقة السراح وُجد في القرون الوسطى، أتظن أنه كان يتحرك
لمقاومة الأفكار الدينية المتمكنة في القوم بعد أن يرى ما لها من السيادة المطلقة، أو
كان يفكر في إنكار وجود الشيطان وحرمة يوم السبت إذا مثلَ أمام قاضٍ يريد إحراقه
بالنار بتهمة أنه حازب الشيطان أو ذهب إلى المعبد يوم السبت. إنه لا مناقشة مع
الجماعات كما أنه لا جدال مع العواصف، ولعقيدة الاقتراع العام في أيامنا من القوة ما
كان للعقائد الدينية في ذلك الزمان، فترى الخطباء والكُتاب يذكرونه مقرونًا بالتجلة
والاحترام مصحوبًا بملق لم يعرفه لويز الرابع عشر. وجب إذن أن يسار معه كما يسار
مع العقائد الدينية، وللزمان أن يفعل في الجميع فعله على أنه لا فائدة من التحفز