فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 102

لزعزعة هذه العقيدة مع وجود ما يؤيدها في الظاهر، ولقد أصاب موسيو (توكفيل)

حيث قال:(ليس لأحد في زمن المساواة اعتقاد في أحد، لما بين الكل من التشابه، غير أن

هذا التشابه يجعلهم يثقون تمام الثقة بحكم الجمهور لأنهم لا يتصورون أن الحقيقة

لا تكون من جانب العدد الأكبر، وفيه ذلك الجم الغفير من المستنيرين).

قد يذهب بعضهم إلى أن حالة انتخابات الجماعات تتحسن بقصر حق الانتخاب

على أهل الكفاءات، أما أنا فلا أسلم بذلك لحظة واحدة؛ للسبب الذي قدمته وهو انحطاط

درجة الجماعات العقلية على اختلافها كيفما كان تركيبها، فإن الناس يتساوون في

الجماعة دائمًا، وليس رأي الأربعين عضوًا الذين تتركب منهم جمعية المعارف في مسألة

عامة أحسن من رأي أربعين سقاء. ولا أظن أن رأيًا أقره الاقتراع العام وشدد النكير

عليه من أجله كإعادة الإمبراطورية كان يتغير لو أن المقترعين كانوا كلهم من أهل الأدب

والعلماء؛ لأن الذي يجعل الرجل ذا بصر بالأحوال الاجتماعية ليس كونه يعرف اللغة

اليونانية أو الرياضيات أو كونه معماريٍّا أو طبيبًا بيطريٍّا أو طبيبًا أو محاميًا. انظر

إلى علماء الاقتصاد عندنا ترهم كلهم من المستنيرين، وأغلبهم مدرسون أو أعضاء في

جمعية المعارف، ومع ذلك لم يتحدوا على مسألة عامة أبدًا كحماية التجارة أو توحيد

معدن النقود ... وهكذا. ذلك لأن علمهم ليس إلا صورة مخففة من الجهل العام، وكل

جهل يستوي أمام المسائل الاجتماعية التي لا حصر للمجهول فيها.

وعلى ذلك إذا قصرنا الانتخاب على قوم أفعموا علمًا لا نصل إلى نتيجة أحسن مما

لو تركناه في يد أهل زماننا؛ لأن أولئك العلماء يعملون على الأخص بحسب مشاعرهم

ومنافع طائفتهم، فلا نكون قد ذللنا شيئًا من العقبات التي أمامنا، بل نكون قد زدنا

عليها بدخولنا تحت نير الاستبداد الذي تنفرد به الطوائف.

نتيجة انتخاب الجماعات واحدة، وهو إنما يترجم عن الرغائب والحاجات التي

للشعب بمقتضى فطرته سواء كان الانتخاب عامٍّا أو محصورًا في طبقة أو طبقات

في جمهورية أو ملوكية في فرنسا، أو في البلجيك أو اليونان أو البرتقال أو إسبانيا.

ومتوسط المنتخبين في كل أمة يمثل روح شعبها، وهو لا يكاد يتغير من جيل إلى جيل.

وهنا نجد مرة أخرى نظرية الشعب ذات الأهمية الكبرى. وتلك النظرية الأخرى

المشتقة منها، وهي ضعف تأثير النظامات والحكومات في حياة الأمم، إنما تسير طبقًا

لأرواح شعوبها. وبعبارة أخرى طبقًا: لما ورثته عن آبائها، وهو ما تمثله تلك الروح،

فالشعب هو مستودع احتياجات كل يوم، وتلك الاحتياجات هي الملوك الخفية التي

بيدها زمام مآلنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت