نشرها في (المجلة العلمية) قال:
كانت المدرعة (لابيل پول) تبحث في البحر على الباخرة (بيرسو) حيث كانت
قد انفصلت عنها بعاصفة شديدة، وكان النهار والشمس صافية، وبينما هي
سائرة إذا بالرائد يشير إلى زورق يساوره الغرق، فشَخَص رجال السفينة إلى
الجهة التي أشير إليها ورأوا جميعًا من عساكر وضباط جليٍّا زورقًا مشحونًا
بالقوم تجره سفن تخفق عليها أعلام البأس والشدة ... كل ذلك كان خيالًا،
فقد أنفذ الربان زورقًا صار ينهب البحر إنجادًا للبائسين، فلما اقترب منهم
رأى من فيه من العساكر والضباط أكداسًا من الناس يموجون ويمدون
أيديهم، وسمعوا ضجيجًا مبهمًا يخرج من أفواه عدة حتى إذا وصلوا المرئى
وجدوه أغصان أشجار مغطاة بأوراق قطعت من الشاطئ القريب، وإذ تجلت
الحقيقة غاب الخيال.
هذا المثال يوضح لنا عمل الخيال الذي يتولد في الجماعة بحال لا تحمل الشك ولا
الإبهام كما قررناه من قبل، فهنا جماعة في حالة الانتظار والاستعداد، وهناك رائد يشير
إلى وجود مركب حفها الخطر وسط الماء مؤثر سرت عدواه فتلقاه كل من في الباخرة
عساكر وضباطًا.
ليس من الضروري أن تتألف الجماعة من عدد كبير حتى تنعدم فيها حاسة إبصار
الأشياء على حقيقتها، وتبدل الحقائق بخيالات لا ارتباط بينها وبينها، بل متى اجتمع
بعض أفراد تألفت منهم جماعة لها ما لكل الجماعات من الصفات وإن كانوا من أكابر
العلماء، وليست هذه الصفات كل واحد منهم فيما هو بعيد عن اختصاصه العلمي، وفي
الحال تنزوي ملكة التمييز وتنطفئ روح النقد في كل واحد منهم، ومن الأمثلة الغريبة
على ذلك ما رواه لنا موسيو (دافي) وهو أحد علماء النفس المحققين، وقد نشرته حديثًا
مجلة (أعصر العلوم النفسية) ، ويحسن بنا إيراده. دعا إليه موسيو (دافي) عددًا من
كبار أهل النظر وفيهم عالم من أشهر علماء إنكلتره هو المستر (ولاس) ، وقدم لهم أشياء
لمسوها بأيديهم ووضعوا عليها ختومًا كما شاءوا، ثم أجرى أمامهم جميع ظواهر فن
استخدام الأرواح من تجسيم الأرواح والكتابة على (الإردواز) وهكذا، وكتبوا له شهادات
قالوا فيها إن المشاهدات التي وقعت أمامهم لا تنال إلا بقوة فوق قوة البشر، فلما صارت
الشهادات في يده أعرب لهم أن ما كان إنما هو شعوذة ما أبسطها. قال راوي الحادثة:
والذي يوجب الدهش والاستغراب في بحث مسيو (دافي) ليس إبداعه ومهارته في الحركات
التي قام بها، بل ضعف الشهادات التي كتبها أولئك الشهود الذين كانوا يجهلونها، وأن
الشهود قد يذكرون روايات كثيرة واقعية كلها خطأ، وأنه لو صح وصفهم الحوادث
التي يرونها لتعذر تفسيرها بالشعوذة، على أن الطريقة التي استنبطها موسيو (دافي)
بسيطة يندهش الإنسان لبساطتها من جراءته على استعمالها، ولقد كان له من التأثير
في أفكار جماعته ما جعلها ترى ما لم تكن ترى.
ذلك هو تأثير المنوم في المنوم دائمًا، وإذا تبين أن هذا التأثير جائز في عقول سامية
بعد أن أنذرت، فكم يكون من السهل التأثير في عقول الجماعة العادية.
والأمثلة التي من هذا القبيل لا تحصى. أنا أكتب هذه السطور والجرائد ملأى بذكر
غرق ابنتين صغيرتين وانتشالهما من نهر (السين) .
عرضت الجثتان فعرفهما بضعة عشر شخصًا معرفة أكيدة واتفقت أقوالهم اتفاقًا
لم يبق معه شك في ذهن قاضي التحقيق، فرخص بدفنهما، وبينما الناس يتهيأون لذلك
ساق القدر البنتين اللتين عرفهما أولئك الشهود بالإجماع، وبان أنهما باقيتان ولم يكن
بينهما وبين الفقيدتين إلا شبه بعيد جدٍّا. والذي وقع هنا هو بذاته ما وقع في الأمثلة التي
سردناها، تخيل الشاهد الأول أن الغريقتين هما فلانة وفلانة، فقال ذلك وأكده، فسرت
عدوى التأثير إلى البقية.