فكان له في كل قرية حتى الحقيرة محراب، وقد سرى في المملكة من أولها إلى آخرها دين
جديد، مناسكه عبادة القياصرة. وقبل ظهور المسيحية ببضع سنين أقامت بلاد الغلوا
كلها، وكانت ستين مدينة، هيكلًا للإمبراطور (أوغسطس) بالقرب من مدينة (ليون) ،
وكان لقسوس هذا الهيكل المقام الأول في نفوس سكان تلك البلاد، ومحال أن يكون
الباعث على ذلك كله الخوف أو الخنوع، فإن الخنوع لا يوجد في أمة بتمامها، ثم هو لا
يدوم ثلاثة قرون، وما كانت البطانة التي هي تعبد الأمير وحدها، بل روما جميعًا، بل
الغلوا كلها، بل بلاد الأندلس واليونان وآسيا.
ليس لفاتحي النفوس في هذا الزمان معابد وهياكل، لكن لهم صور وتماثيل،
والعبادة التي يعبدون بها لا تخالف كثيرًا ما كانوا به يعبدون ومعرفة فلسفة التاريخ
تتوقف على إجادة معرفة هذا المبحث في علم روح الجماعات. من لم يكن إلهًا لها فليس
شيئًا مذكورًا.
لا يقولن قائل تلك أوهام كانت في الأعصر الماضية فبددها العقل في هذه الأيام؛
لأن العقل لم يكن لينتصر في محاربة الشعور أبدًا، نعم لم تعد الجماعات تطيق اسم
الألوهية، والدين الذي دانت لحكمه ذلك الزمن المديد، ولكن معبوداتها لم تكثر كثرتها
منذ مائة عام، وهي لم تقم للآلهة السابقين من التماثيل والمحاريب مقدار ما أقامت
لآلهة هذه الأيام، والذين نقبوا عن الحركة العمومية المسماة (بولنجية) التي حصلت في
السنين الأخيرة يعلمون سهولة ظهور الشعور الديني في الجماعات، فلم يكن من فندق
أو قهوة في قرية إلا وفيها صورة البطل، وكانوا ينسبون إليه القدرة على رد المظالم كلها
ومداواة الآلام كلها. وكان الألوف من الناس على استعداد لتضحية حياتهم من أجله، ولو
كان في أخلاقه مقوم لشهرته ولو قليلًا لنال المكان الأرفع في التاريخ.
لذلك نرى من الفضلة تكرار أنه لا بد للجماعات من دين ما دامت جميع المعتقدات
السياسية أو الإلهية أو الاجتماعية لا تطمئن عندها إلا إذا لبثت ثوب الدين الذي يحميها
من الجدل ويجعلها فوق بحث الباحثين، بل لو أمكن إدخال عدم الاعتقاد في الجماعات
لاشتد تعصبهم فيه كأنه معتقد ديني، ولصار في الخارج دينًا يتعبد به الناس. ومن
الأمثلة الغريبة على ما نقول ما كان من أمر تلك الفئة القليلة صاحبة مذهب الوضعيين،
فقد وقع لها ما وقع للرجل العدمي (نهيلست) الذي روى لنا العلامة (رستوفيسكي)
قصته، قال: أشرق ذات يوم نور العقل على ذلك العدمي، فعمد إلىصور الآلهة والقديسين
التي كانت تزين أحد المعابد، وحطمها، وأطفأ الشموع، ووضع مكان الصور مؤلفات
بعض الفلاسفة الذين لا يعتقدون مثل (بوخنر) و (موليشوت) ، ثم تولاه التقى فأوقد
الشموع حول هاتيك الكتب. فمحَلُ اعتقاده الديني كان قد تبدل، ولكن مشاعره الدينية
ما تبدلت أبدًا.
وعليه لا يدرك الباحث أهم الحوادث التاريخية تمام الإدراك إلا إذا وقف على الصبغة
الدينية التي ينتهي حتمًا إليها اعتقاد الجماعات. ومن الحوادث الاجتماعية ما ينبغي
البحث فيه على طريقة علماء النفس لا على طريقة الطبيعيين، فإن مؤرخنا العظيم
(تاين) لم ينظر في الثورة الفرنساوية إلا نظرًا طبيعيٍّا، لذلك فاتته حقيقة الحوادث
غالبًا، نعم، لم تفته من الوقائع فائتة، ولكنه غفل عن البحث في روح الاجتماع فلم
يصل إلى علل ما أثبت منها، وقد هالته الوقائع بما اشتملت عليه من الدماء والتوحش
والقسوة، فلم ير في أبطال ذلك الزمن الكبير إلا قطيعًا من المتبربرين السفاحين انطلقوا
وراء شهواتهم، ولم يجدوا مانعًا يصدهم عما كانوا يشتهون.
على أنه لا سبيل لإدراك حقيقة ما كان في الثورة الفرنساوية من القسوة وسفك
الدماء والحاجة إلى نشرالدعوة وإعلان الحرب على جميع الملوك إلا إذا فطن الباحث أنها،
أي الثورة، أثر معتقد ديني جديد حل في نفوس الجماعات، ومثل ذلك أيضًا كانت قيامة
الإصلاح (البروتستانتية) ومقتلة صانت بارتلمي و (الاضطهاد) و (الهول) ، فكلها فظائع