ارتكبتها الجماعات المتحمسة بشعور من شأنه أن يدفع الذي حل في قلبه إلى استعمال
النار والحديد لاستئصال كل ما يعترض قيام المعتقد الجديد من دون أن تأخذه رحمة
ولا حنان. لذلك كانت وسائل الاضطهاد هي وسائل جميع المعتقدين الحقيقيين، ولو
أنهم استعملوا غيرها ما كانوا من الموقنين.
ولا تظهر في الوجود أمثال الانقلابات التي مر ذكرها إلا إذا قذفت من جوف
الجماعة، وليس في استطاعة أكبر المستبدين إثارتها، والمؤرخون الذين رووا لنا أن الملك
هو السبب في واقعة صانت بارتلمي كانوا يجهلون روح الجماعات وروح الملوك معًا؛
لأن مثل هذه المظاهرات لا تخرج إلا من قلب الجماعات ولا يقدر أكبر الملوك وأشدهم
استبدادًا على أكثر من تعجيلها أو تأجيلها، فليس الملوك هم الذين أحدثوا واقعة صانت
بارتلمي ولا حروب الدين، كما أن (روبسبير) و (دانتون) و (صانت جوست) ليسوا هم
الذين أحدثوا (الهول) ، بل نجد على الدوام وراء هذه الحوادث روح الجماعات لا سلطة
الملوك.