فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 102

وإذا دارت المناقشة في مسألة عامة كإسقاط الوزارة أو تقرير ضريبة جديدة ...

وهكذا، تقلبت الآراء وظهر نفوذ القواد، لكنه لا يساوي ما لهم في الجماعات الاعتيادية؛

إذ لكل حزب قواد قد يعادل نفوذهم نفوذ قواد الحزب الآخر، فيصبح الأعضاء بين

مؤثرين متضادين؛ ولذلك يترددون، فيقر الواحد منهم على أمر وبعد ربع ساعة يعمل

بنقيضه، كأن يقبل في القانون نصٍّا يهدم المبدأ الذي أقامه عليه. مثال ذلك: الإقرار على

قانون يبيح لأصحاب المعامل حق اختيار العمال وطردهم ثم الإقرار في الجلسة ذاتها

على تعديلٍ يجعل هذا الحق أثرًا بعد عين.

وضح مما تقدم أن لكل مجلس في كل دور أفكارًا ثابتة وأخرى غير ثابتة، ولما

كان الغالب فيما يعرض عليه هو المسائل العامة، كان التردد في الآراء هو الغالب لما

يجتمع في نفس كل عضو من تأثير الناخبين وتأثير القواد في المجالس.

على أن القواد هم أصحاب الكلمة في أغلب المسائل التي ليس للأعضاء فيها رأي

ثابت من قبل. وضرورة أولئك القواد ظاهرة؛ لأنهم يوجدون في كل هيئة نيابية عند

جميع الأمم بعنوان رؤساء الفرق، أولئك الرؤساء هم السلاطين في كل مجلس، لأن

الرجل في الجماعة لا يستغني عن السيد، ومن هنا كانت قرارات المجالس النيابة لا

تمثل إلا رأي عدد صغير من أعضائها.

والقليل من تأثير القواد في تلك المجالس راجع إلى فصاحتهم، وكثيره مستمد من

نفوذهم، برهانه أنهم إذا فقدوا نفوذهم انعدم تأثيرهم.

وهذا النفوذ شخصي لا دخل فيه للاسم والشهرة. ومن غرائب الأمثلة ما أتى به

موسيو (جول سيمون) في عرض كلامه في مجلس نواب سنة 1848 الذي كان عضوًا

فيه، قال:

لم يكن لويز نابليون شيئًا مذكورًا قبل أن يتم له السلطان بشهرين.

ارتقى (فكتور هيجو) منبر الخطابة فلم ينل نجاحًا، بل سمعه الناس

كما يسمعون (فيلكس پايات) ولكنهم لم يصفقوا له مثله. قال لي (فولايل)

عن (پايات) إنه لا يحب أفكاره ولكنه كاتب كبير وهو أكبر خطباء فرنسا،

كذلك (إدجار كينيه) على علمه وقوة مفكرته لم يكن له شأن يذكر، فإن

صيته ذاع قبل افتتاح المجلس، فلما جاء إليه تخلفت عنه شهرته.

والمجالس النيابية هي المكان الوحيد في الأرض الذي يضعف فيه نور

الذكاء الفائق، فليس هناك للفصاحة قيمة إلا ما وافق منها أحوال الزمان

والمكان، ولا اهتمام إلا بالخدم التي أديت للأحزاب لا للوطن. وإذا كانت

المجالس النيابية قد أكبرت شأن (لامارتين) سنة 1848 و (تيير) سنة 1871

فما ذلك إلا بتأثير الضرورة الشديدة الحالة، ولهذا بعد أن زال الخطر شفي

الناس من واجب الشكران ومن الخوف معًا.

نقلتُ هذا القول للاستفادة من الحوادث الواردة فيه لا من البيان الذي اشتمل

عليه لأنه يدل على علم ناقص جدٍّا بأحوال النفس؛ إذ الجماعة لا تكون كذلك إذا عرفت

لقائدها ما قد يكون أداه من الخدم للوطن أو للأحزاب على حد سواء. والجماعة إنما

تطيع قائدها موقنة بسلطان نفوذه فيها من دون أن يقترن ذلك عندها بمنفعة أو

شكران.

لذلك إذا كان للقائد نفوذ كبير فتسلطه عظيم، وكلنا يعرف هذا النائب الشهير

الذي كانت له الكلمة العليا عدة سنين بما أوتي من النفوذ حتى فقد مركزه على إثر

بعض الحوادث المالية. كانت إشارة منه تكفي لقلب الوزارة، وقد أوضح أحد الكتاب

مقدار تأثير ذلك النائب في الكلمات الآتية: إنا مدينون لموسيو فلان وحده بكوننا اشترينا

التونكين بثلاثة أضعاف ما تساويه، وبكوننا لم نضع في مدغشكر إلا قدمًا متزعزعة،

وبكوننا غبنا في مملكة كاملة جنوب نهر النيجر، وبكوننا أضعنا ما كان لنا من النفوذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت