فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 102

الخاص في الديار المصرية، إلا أن نظريات موسيو (فلان) قد كلفتنا من الخسائر أكثر

من مصائب نابوليون الأول. 1

على أنه لا ينبغي تشديد النكير على هذا القائد وإن كان قد كلفنا كثيرًا؛ لأن أكثر

نفوذه جاءه من تتبع الرأي العام، ولم يكن الرأي العام إذ ذاك في المسائل الاستعمارية

كما هو عليه الآن. ومن النادر أن يسبق القائد الرأي العام، والغالب أنه يسير خلفه

ويتبعه في الخطأ.

للقائد في إقناع قومه وسائل غير النفوذ هي التي ذكرناها مرارًا، ولا بد له في

قيادتهم من أن يكون قد وقف على حقيقة الروح السارية فيهم ولو من طريق الوجدان،

وعرف طريقة الكلام معهم، فينبغي له على الأخص أن يعرف ما لبعض الألفاظ من

التأثير الذي يجذب نفوس السامعين، وأن يكون على جانب من الفصاحة المخصوصة

التي تقوم بالتوكيد الشديد الخالي من الدليل وبالصور الآخذة المحلاة بالحجج الناقصة،

هذه فصاحة موجودة في كل مجلس من المجالس النيابية حتى البرلمان الإنكليزي الذي

هو أكثرها اعتدالًا.

قال الحكيم الإنكليزي (ماين»: (من السهل أن نقرأ دائمًا مداولات لمجلس العموم

مدارها تبادل كليات ضعيفة وشخصيات حادة، فلمثل هذه الصيغ الكلية تأثير كبير في

خيال أهل الديمقراطية المحضة، ومن الميسور على الدوام جعل الجماعة تقبل القضايا

العامة إذا قدمت لها بألفاظ جذابة، ولو كانت من القضايا التي لم يحققها أحد، وربما

كانت لا تحتمل التحقيق «.

يؤخذ من ذلك أنه لا حد لتأثير المذكورة، وكم أتينا على بيان «الألفاظ الجذابة»

قوة الألفاظ والجُمل، وما ينبغي أن يختار منها مما يمثل صورًا مؤثرة. وإليك جملة

تمثل ما تقدم اقتطفناها من خطابة أحد قواد مجالسنا»: يوم يركب السياسي الأفين

والفوضوي السفاك ظَهْرَ باخرة واحدة تقودهما إلى منفاهما في الأراضي الحمية، ذلك هو

اليوم الذي يتحادث فيه الرجلان، ويظهر كل واحد منهما لأخيه ممثلًا إحدى صورتي

نظام اجتماعي واحد «.

فالصورة التي يمثلها هذا المقال واضحة، وقد شعر خصوم الخطيب كلهم أنهم

مهددون بها، فهم يرون الأراضي الحمية مقرونة برؤية الباخرة التي تقودهم إليها،

لأنهم من حزب أولئك السياسيين الذين يهددهم ذلك العقاب. هنالك تولاهم الفزع

الذي كان يدخل قلوب» المتعاهدين « (إذ يسمعون(روبسبيير) يهددهم بمنجلة 2 الإعدام

فيدينون له على الدوام.

من مصلحة القواد أن يأتوا بالمبالغات التي لا يجوز في العقل تصورها، فمن ذلك

ما أكده الخطيب الذي نقلنا عنه الصورة المتقدمة ولم يعارضه أحد معارضة تُذكر

من أن أرباب المصارف المالية والقسوس يواسون الذين يقذفون قنابل الديناميت، وأن

مديري الشركات المالية الكبرى يستحقون الجزاء الذي يستحقه الفوضويون. لمثل هذه

التوكيدات دائمًا أثر في الجماعات، ولا يرمى الخطيب بالتطرف كيفما بالغ وأكد، كما

أنه لا حرج عليه وإن تعسف في الطعن واشتد في الهجاء، ولا نظير لهذه الفصاحة من

حيث التأثير في السامعين لأنهم إن جنحوا للمعارضة خافوا تهمة الخيانة أو الاشتراك

مع المجرمين.

سادت هذه الفصاحة في المجالس النيابية في كل زمان كما قدمنا وهي تشتد في

أزمنة الشدة، ومن أفيد المطالعات قراءة الخطب التي كان كبار الخطباء يقولونها في

مجالس الثورة، فقد كانوا يشعرون بالحاجة إلى قطع الكلام حينًا فحينًا لتقبيح الجرم

وتمداح الفضيلة، ثم تنهمر الشتائم من أفواههم على الظالمين، ويقسمون أنهم إما أن

يعيشوا أحرارًا وإما أن يموتوا، ويقف الحاضرون يصفقون كمن بهم جنة، ثم يسكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت