جأشهم فيجلسون.
قد يكون القائد أحيانًا ذكيٍّا متعلمًا، ولكن ذلك يكون مضرٍّا به في الغالب؛ لأن
الذكي يميل إلى بيان ما في المسائل من أوجه التعقيد، ويقبل المناظرة والتفاهم؛ وذلك
يؤدي إلى التسامح والإغضاء ويكسر كثيرًا من حدة العقيدة، وحدة العقيدة لازمة للرسل.
وكان أكبر القواد في الأمم خصوصًا قواد الثورة الفرنساوية من قصار العقول جدٍّا،
وكان أكبرهم تأثيرًا أشدهم قصرًا في العقل، فإن الإنسان ليدهش مما يراه من التخبط
عند مطالعة رسائل أعظمهم قدرًا وهو» روبسبيير «، ومن لم يقرأ غيرها من ترجمة
حياته لا يجد ما يعلل به قوة ذلك المسيطر الجبار. قال بعضهم يصفها»: صيغ كلية
جارية على كل لسان وشقشقة في الفصاحة المحفوظة من كتب التربية والتعليم على
الطريقة اللاتينية اجتمعتا في نفس خلوها أكثر من انحطاطها، نفس تكاد لا تعرف
من وسائل الهجوم أو الدفاع إلا ما تعوده التلاميذ من قول الواحد منهم لزميله»: هل
من مبارز؟ «وليس هناك رأي ولا تدبير ولا شاردة عنف ممل وشدة مسئمة، فإذا فرغ
من تلك المطالعة المملة شعر بالحاجة إلى قول» أف «كما كان يفعل الرجل القارئ
الظريف (كاميل ديمولان «. (
من المفزعات ما يناله الرجل ذو النفوذ من السلطة إذا صدقت عقيدته وقصرعقله،
على أنه لا بد لاستجماع ذلك في الإنسان حتى يستهين بالصعاب ويعرف كيف يريد.
وللجماعات شعور كالإلهام يهديها إلى معرفة الرجل الذي أودعت فيه قوة العزيمة
المبنية على صدق العقيدة فتدين لسلطته.
إنما ينجح الخطباء في المجالس النيابية بما لهم من النفوذ لا بقوة البراهين التي
يقيمونها، وأصدق شاهد على ذلك أنه إذا وقع لأحدهم ما يفقدهم نفوذه فإنه يفقد معه
تأثيره، أعني قدرته على إدارة الآراء كما يشاء.
وأما الخطيب المجهول الذي يذهب إلى الجلسة بعد أن يكون قد أعد خطابته
ودعمها بالحجج ولم يكن لديه إلا الحجج والأدلة، فلا رجاء له حتى في الإصغاء إليه.
وقد وصف موسيو (ديكوب) وهو أحد النواب، ومن علماء النفس المدققين النائب الذي
لا نفوذ له في السطور الآتية: «إذا استوى - الموصوف - على منبر الخطابة أخرج
من محفظته أوراقًا فنشرها أمامه على الترتيب وشرع يخطب مطمئنًا، وهو يفتخر في
نفسه بأنه سيبث عقيدته لتسكين روح سامعيه؛ لأنه وزن أدلته وحررها، وأعد شيئًا
كثيرًا من الإحصاءات والحجج، وأيقن أن الحق في جانبه وأن مُعارِضه لا يثبت أمام
الحقيقة الناصعة التي يأتي بها. هكذا يبدأ معتمدًا على صواب رأيه وإصغاء إخوانه
لاعتقاده أنهم لا يطلبون إلا السجود أمام الحق. وبينما هو يخطب إذ تأخذه الدهشة
من اضطراب الحاضرين، ثم يتقزز بالضوضاء الناتجة من ذلك الاضطراب، ويتساءل
كيف لا يسود السكون؟ وما السبب يا ترى في هذا الانصراف العام؟ وما الذي يدور
على ألسنة أولئك الذين يتحادثون فيما بينهم؟ وما السبب القوي الذي يحمل ذاك على
ترك مجلسه؟ يتساءل الخطيب هكذا والحيرة تعلو جبهته، فيفرك حاجبيه ويمسك عن
الكلام، ويشجعه الرئيس فيعود بصوت مرتفع، فيزيد الأعضاء في عدم الإصغاء إليه،
فيجهر ويهتز، فتزداد الجلبة حواليه، ويعود لا يسمع نفسه فيمسك عن الكلام مرة
أخرى ثم يخشى أن يدعو سكوته إلى أصوات (الأقفال الأقفال) ، فيرجع إلى خطابته
بما فيه من قوة. وهناك تعلو الجلبة ويختلط الحابل بالنابل مما لا يقدر على وصفه
الواصفون.»
ومن خواص المجالس النيابية أنها إذا تحرك شعورها وارتقت في الهياج إلى درجة
معلومة تصير كالجماعات العادية المختلفة العناصر سواء بسواء، فتغلو إلى النهاية في
مشاعرها، وتذهب إلى أقصى مراتب الشجاعة وآخر درجات التطرف في القسوة؛ إذ ذاك