لا يصير الرجل نفسه بل يبعد عنها بعدًا يحمله على تقرير ما يخالف منافعه كل
المخالفة.
والذي يقرأ تاريخ الثورة الفرنساوية يدرك إلى أي حد تفقد المجالس شعورها
وتخضع لما يطلب منها وإن خالف أعز المنافع لدى أفرادها. كان من أكبر الضحايا
أن يتنازل الشرفاء عن امتيازاتهم، ومع ذلك فعلوه غير مترددين ذات ليلة من ليالي
» الدستورية «،وكان تنازل المتعاهدين عن تقديس أشخاصهم منذرًا لهم بالويل والدماء،
ولكنهم فعلوا وما خشوا تقتيل بعضهم بعضًا، ولا أرهبهم اعتقاد كل واحد منهم أنه
مسوق إلى الإعدام لا محالة كما يسوق هو اليوم إخوانه إليه، غير أنهم كانوا قد وصلوا
إلى حالة من التهيج جعلتهم كآلات تتحرك من نفسها على ما وصفنا، فلم يعد هناك
من الاعتبارات ما يقوى على صدهم عن اتباع الهوى المتمكن من صدورهم. إليك ما
قاله أحدهم (بيلوفارين) مما يوضح ما ذكر»:ما كنا لنريد القرارات التي يلومنا الناس
من أجلها قبل أن نصدرها بيومين اثنين بل بيوم واحد، ولكن المحنة هي التي كانت
تمليها «،وما أصدق ما كتب.
كانت جلسات التعاقد منفردة باللاشعور كما عرفت بالهياج، قال تاين»: لقد
أقروا وشرعوا ما كانوا يجزعون له أشد الجزع ولم يكتفوا في ذلك بالحماقيات
والجنونيات، بل شرعوا الآثام وقتل الأبرياء وإعدام الأصدقاء، وانضم حزب الشمال إلى
حزب اليمين، وقرر معه بالإجماع وسط التصفيق الشديد إرسال (دانتون) إلى المنجلة،
وكان رئيسه الطبيعي وموجد الثروة وقائد زمامها ومال اليمين إلى الشمال، فقرر
معه بالإجماع وسط التصفيق الشديد أفظع الأوامر التي أصدرتها الحكومة الثورية،
وبين أصوات الإعجاب والنشوة تدفق الميل والانعطاف نحو (كولوت ديربوا) و (كوطون)
و (روبسبيير) ، فجدد (المتعاقدون) انتخاب أعضاء الحكومة الثورية وإبقاءها على منصة
الحكم، وهي الحكومة القاتلة التي كان يبغضها السهل لجرمها ويمقتها الجبل لأنها
كانت تحصده. اصطلح السهل مع الجبل واتفق القليل مع الكثير ورضي الجميع
بمساعدة قاتليهم على إعدامهم، ثم في يوم 22 من الشهر تقدمت رقاب تلك الحكومة
إلى التقطيع، وبعد ذلك بقليل تقدمت إليه أيضًا تلك الرقاب عقب خطاب روبسبيير «.
قد يكون الوصف أقتم ولكنه الحق الواقع، والصفات المتقدم ذكرها توجد في
المجالس النيابية المتهيجة التي سكرت بخمر فكر من الأفكار فتصبو كالقطيع المتحرك
يسوقه كل دافع وقد وصفها على هذه الحال موسيو» سبوللر «، وهو شوري لا يشك
أحد في صدق أفكاره الديمقراطية وصفًا دقيقًا نذكره للقراء نقلًا عن (المجلة الأدبية)
ويرى القارئ فيه جميع المشاعر المتطرفة التي قدمنا ذكرها، وتتمثل فيها التقلبات
الشديدة التي تنتقل بها الجماعات من الضد إلى الضد من لحظة إلى أخرى. قال موسيو
«سبوللر» :
إن التنافر والحسد وسوء الظن ثم الثقة العمياء والآمال التي لا نهاية لها
أوردت الحزب الجمهوري حتفه، فلقد كان له من السذاجة ما لا يساويه إلا
سوء ظنه المطلق، لا يدرك شرعية الأمور ولا يفقه للنظام معنى، ذعر وآمال
لا تنتهي، حالتان يستوي فيهما الريفي والطفل، فسكونهما يضارع قلقهما
ووحشيتهما تماثل طاعتهما، ذلك شأن المزاج الذي لم يرتب والتربية التي
انعدمت، لا يندهشان لأمر وكل أمر يفقدهما الصواب، يرتجفان ويرهقان،
وفيهما الإقدام والشجاعة، فيقتحمان النار، ويجفلان من الظل، ويجهلان
العلل والمعلولات، ويسارعان إلى الفتور مسارعتهما إلى التهوس. فيهما
استعداد للفزع والذهول، ويتخبطان من الإفراط إلى التفريط، فلا يعرفان
الوسط ولا القدر الذي ينبغي أبدًا، ألين من الماء تنعكس فيهما جميع الألوان،