فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 102

القيام بها، وذلك يحرمهم من ثمرات كسبهم بقدر ما يزيد في المال الموكول صرفه إلى

مشيئة الموظفين العموميين.»

وهذا الترقي في تحديد الحريات يظهر في جميع البلاد بصورة واحدة لم يذكرها

(هربرت سبنسر) ، وهي أن أحداث تلك القوانين المقيدة ينتج حتمًا زيادة عدد الموظفين

المكلفين بتنفيذها، ثم هو يقوي نفوذهم، ومآل أولئك الموظفين بهذه الطريقة صيرورتهم

سادة البلاد المتمدنة الحقيقيين؛ لأن طائفتهم هي التي لا ينالها أثر التقلبات المستمرة

التي تطرأ على حكومة البلاد؛ ولذلك كانت سيطرتها شديدة على قدر ثبوت قدمها في

الوظائف، فهي الطائفة الوحيدة التي لا تبعة عليها من أعمالها ولا شخصية لأحد

في مجموعها، وهي باقية على الدوام، ومن المعلوم أن أشد صور الاستبداد هي التي

اجتمعت فيها تلك الصفات الثلاث.

إن الاستمرار على سَن هذه القوانين واللوائح المقيدة لحرية الناس والتي تحيط

بكل حركة من حركاتهم وإن صغرت بسور من الإجراءات (البيزنطية) من شأنه أن

يضيق دائرة العمل الذي لا قيد فيه، لكن الأمم قد خدعت في خيالها فحسبت أن الإكثار

من القوانين توكيد لضمان الحرية والمساواة، وصارت تقبل كل يوم قيدًا ثقيلًا.

على أنها لا مهرب لها من نتيجة هذا الرضا، فإن التعود على احتمال النير كل يوم

يفضي بها إلى تطلبه وفقدان ملكة الإقدام وقتل العزيمة، فتصبح حينئذٍ أثرًا بعد عين

والآلات تنفعل بحركة غيرها لا إرادة ولا صلابة ولا قوة.

وإذا فقد الإنسان المقدمات في نفسه اضطر إلى طلبها في غيره، وكلما ازداد عدم

اهتمام الأفراد وضعفهم اشتدت سطوة الحكومة وقويت شوكتها بالضرورة، هنالك

تضطر إلى إبدال إقدامهم على الأعمال بإقدامها والقيام مقامهم في الأخذ بيد المشروعات

كلها والتداخل في تنظيم سير الأفراد دونهم لأنهم أضاعوا ملكة ذلك كله، وتصبح

الحكومة مكلفة بأن تعمل كل شيء وتدير كل شيء وتحمي كل شيء فتصير إلهًا قادرًا،

إلا أن التجربة دلت على أن قدرة مثل هذا الإله لم تكن قوية ولم تدم إلا قليلًا.

والظاهر أن الترقي في تقييد الحريات عند بعض الأمم التي تظن أنها متمتعة بها

لما هي فيه من الإطلاق الصوري ناشئ من هرمها كما ينشأ عن هرم أي نظام كان،

وذلك نذير دور الانحطاط التي لم تنج منه مدنية حتى الآن.

وإذا قسنا الحاضر بالماضي ورجعنا إلى العلامات التي تبدو من كل صوب، حكمنا

بأن عددًا كبيرًا من مدنياتنا الحاضرة قد وصل إلى أقصى حدود الهرم الذي هو طليعة

الانحطاط، والظاهر أنه لا بد لجميع الأمم من عبور هذه السبيل؛ لأن التاريخ يروي لنا

أنه دور كثيرًا ما تجدد.

ولقد يسهل بيان الأدوار التي تتقلب فيها المدنيات بقول موجز، وهو الذي نريد

أن نختم به هذا الكتاب، فلعل فيه توضيحًا لأسباب قوة الجماعات.

إذا سبرنا المدنيات التي سبقت مدنيتنا في حالتيها الرقي والانحطاط فما الذي

نعثر عليه؟

نعثر في فجر هذه المدنيات على خليط من الناس مختلف الأجناس جمعتهم عفوًا

الهجرة والإغارات والفتوحات، ولكونهم اختلفوا في المحتِد وتباينوا لغة ودينًا لم يكن

بينهم من الرابطة العمومية إلا سلطة الرئيس على ضعف اعترافهم بها. وفي تلك

المجامع المختلطة نشاهد صفات الجماعات بأرقى صورها، فلها منها الائتلاف الوقتي،

والشجاعة والضعف، والاندفاع والقسوة، وعدم ثبات شيء من ذلك، إن هم إلا قوم

متوحشون.

ثم دار الزمان فأدى وظيفته، وأخذت جامعة البيئة وتكرار التناسل وحاجات

المعيشة الاجتماعية تؤثر أثرها شيئًا فشيئًا، وبدأت أجزاء المجموع المختلفة تمتزج

بعضها ببعض، وتكون شعبًا أي تركيبًا ذا صفات عامة ومشاعر متشابهة تمكنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت