فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 102

الوراثة كل يوم. هكذا صارت الجماعة أمة وآن لهذه الأمة أن تخرج من دائرة الهمجية.

على أنها لا تخرج منها إلا إذا تكوَّن لها مقصد عام تشخص إليه، وذلك لا يتم

إلا بعد مجهودات طويلة، ومغالبات متجددة على الدوام، وبدايات يخطئها الحصر.

وسواء كان المقصد العام ألوهية روما أو تعظيم أثينا أو نصرة لله، فهو يكفي لتوحيد

أفكار أفراد الأمة وهي في دور التكوين، هنالك تتولد مدنية جديدة بما تقتضيه من

النظامات والعقائد والفنون، وينجر الشعب وراء مقصده ويصل إلى ما ينيله الأبهة

والجلال والقوة والإعظام. نعم تعرض له أحوال يكون فيها جماعة، إلا أنه يكون له

خلف صفاتها المتقلبة ذلك الموجود القوي، أعني روح الشعب، فهي التي تقيد تقلباته

وتحددها وتضع للمصادفات نظامًا مسنونًا.

فإذا أتم الزمان صنعه الإيجادي يبدأ بصنعه الإعدامي الذي لم ينج منه عابد ولا

معبود، فتقف المدنية عند وصولها إلى حد معين من الشوكة والتشعب، ومتى وقفت

أسرع إليها الانحطاط لا محالة، فقد اقتربت الشيخوخة ودنت ساعة الأجل.

علامة تلك الساعة التي لا مفر منها تكون دائمًا ضعف اليقين بالمقصد الذي

اتكأت عليه روح الشعب، وكلما انزوى عود هذا الخيال اندكت صروح الدين والسياسة

والاجتماع التي كانت تستمد حياتها منه.

كلما انزوى خيال الشعب فَقَدَ هو علة امتزاجه، وداعي وحدته، وموجِد قوته، وتمت

شخصية الأفراد، وعظم الذكاء فيهم، غير أن ذلك يصطحب بحلول الأثرة الشخصية

المفرطة محل الأثرة القومية.

ووراؤه انطماس الأخلاق، وضعف القدرة على العمل، ويصبح ذلك التركيب الذي

كان يكون أمة - أي وحدة وإن شئت فقل كتلة - جمعًا مؤلفًا من أفراد غير مؤتلفين،

لا رابطة بينهم إلا الجامعة الصناعية الآتية من التقاليد والنظامات. ومتى وصل الناس

إلى هذه الحال من افتراق المنافع واختلاف النزعات وعدم الاهتداء إلى طريقة يحكمون

بها أنفسهم جدوا في طلب من يقودهم في جميع أعمالهم وإن صغرت، فتأتي الحكومة

بسلطانها وتبتلع كل شيء.

وإذا تم فقدان الخيال تم فقدان روح الأمة، فتعود خليطًا من الناس كلٌّ يعمل على

شاكلته، وترجع إلى ما كانت عليه في بدايتها جماعة لها منها جميع الصفات الوقتية،

فلا شعور، ولا أمل، هنالك تنعدم أساطين المدنية، وتمسي هدفًا لحوادث الاتفاق، وتصير

العامة سلطانة في الناس، وتبدو طلائع المتوحشين، وقد يلوح على المدنية أنها باقية في

بهائها لأن محياها لا يزال يضيء بما أكسبته الأجيال الطويلة من البهجة والرواء، ولكن

الحقيقة أنه بناء أكله السوس وفَقَدَ دعائمه واستعد للسقوط بأية عاصفة.

فمن همجية إلى حضارة وراء مقصد في الخيال، ومن حضارة إلى انزواء، فموت

حين يضمحل الخيال، هذا مدار حياة الأمم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت