فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 102

يتشابه أفراد الشعب بالعناصر اللاشعورية التي تكوِّن روحه العامة، وهم إنما

يفترون بالخواص الشعورية التي هي نتيجة التربية، وبالأخص نتيجة وراثة استثنائية،

وأشد الناس افتراقًا من حيث مداركهم يتشابهون بالوجدانات والشهوات والمشاعر،

وأعظم الرجال لا يتفاوتون عن العامة في الأمور التي مرجعها الشعور؛ كالدين والسياسة

والآداب والميل والنفور، وهكذا، إلا نادرًا، فقد يكون بين الرياضي الكبير وبين صانع

حذائه بُعد ما بين السماء والأرض من حيث العقل والذكاء، ولكن الفرق بينهما في الطباع

معدوم في الغالب أو هو ضعيف للغاية.

هذه الصفات العامة في الطباع المحكومة باللاشعورية الموجودة في جميع أفراد كل

أمة بدرجة واحدة تقريبًا هي التي لها المقام الأول في حركة الجماعات، فتختفي مقدرة

الأفراد العقلية في روح الجماعة وتنزوي بذلك شخصيتهم، وبعبارة أخرى تبتلع الخواص

المتشابهة تلك الخواص المتغايرة وتسود الصفات اللاشعورية.

ولكون الجماعات إنما تعمل متأثرة بتلك الصفات الاعتيادية يتبين لنا السر في عدم

قدرتها أبدًا على الإتيان بأعمال تقتضي فكرًا عاليًا وعقلًا رجيحًا، حتى إنك لا تجد فرقًا

كبيرًا فيما يقرره جمع من نخبة الرجال ذوي الكفاءات المختلفة وما يقرره جمعٌ كله من

البلداء في موضوع المنفعة العامة؛ لأنهم لا يمكنهم أن يشتركوا في هذا العمل إلا بالصفات

العادية التي هي لكل الناس، فالذي يغلب في الجماعات إنما هي البلاهة لا الفطنة، وما

كل الناس بأعقل من (فولتير) كما يقولون غالبًا، بل الواقع أن فولتير أعقل من كل

الناس إذا أردنا بكل الناس الجماعات.

لكن لو كان كل فرد في الجماعات لا يأتي لها إلا بما اشترك فيه من الصفات مع

غيره لكانت النتيجة حدٍّا وسطًا فقط، وما تولَّدت خصال جديدة كما قدمنا، فمن أين

إذن تأتي تلك الخصال. هذا الذي نبحث فيه الآن.

الأسباب التي تولد هذه الصفات الخاصة في الجماعات دون الأفراد كثيرة.

الأول أن الفرد يكتسب من وجوده وسط الجمع قوة كبيرة تشجعه على الاسترسال

في أمياله ممَّا كان يحجم عنه منفردًا بالضرورة، ثم هو لا يكبح جماح نفسه لأن الجماعة

لا تسأل عن أفعالها لشيوعها بين جميع الأفراد، فلا يشعر الواحد منهم بما قد يجره

العمل عليه من التبعة، وهذا الشعور هو الزاجر للنفوس عما لا ينبغي.

السبب الثاني من الأسباب التي تولد في الجماعات صفات جديدة وتوحد وجهتها

هو العدوى، والعدوى من الظواهر التي يسهل بيانها، ولكنها ليست مما يتيسر تعليله،

وهي من فصيلة الحوادث المغناطيسية التي سيأتي الكلام عليها، وكل شعور في الجماعة

وكل عمل يصدر عنها فهو مُعدٍ إلى حد أن الفرد يضحي مصلحته الذاتية لمصلحة

الجماعة، وهذه قابلية مخالفة جدٍّا لطبيعة الإنسان، فهو لا يقدر عليها خارج الجماعة

إلا نادرًا.

السبب الثالث وهو أهمها مما يولد في أفراد الجماعة صفات خاصة مباينة تمام

المباينة لصفات كل واحد منهم على انفراده، هو قابلية التأثر التي هي أصل في العدوى

السابق الكلام عليها. ولسهولة إدراك هذه الظاهرة يلزمنا أن نذكر هنا بعض اكتشافات

جديدة دلَّ عليها علم وظائف الأعضاء، منها أنه أصبح من الواضح إمكان وضع الشخص

بطرق شتى في حالة يفقد فيها ذاته الشاعرة تمامًا فينقاد إلى جميع ما يشير به عليه

ذلك الذي أذهبها عنه، ويرتكب أشد الأفعال مباينة لخلقه وعادته، وقد دل النظر الدقيق

في أحوال الجماعات أن الفرد متى أمضى زمنًا بين جماعة تعمل لا يلبث أن يصير في

حالة خاصة تقرب كثيرًا من حالة الشخص النائم نومًا مغناطيسيٍّا ين يدي المنوم، وذلك

بتأثير السيالات التي تصل إليه من الجماعة، أو بأسباب أخر مما لم نقف عليه بعد،

وحالة الشخص النائم هي تعطيل وظيفة المخ وصيرورته هو مسخرٍّا لحركات مجموعه

العصبي اللاشعورية التي يسيرها المنوم كيف يشاء، هنالك تنطفئ الذات الشاعرة تمامًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت