فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 102

ليس من السهل شرح حقيقة روح الجماعات شرحًا دقيقًا؛ لأن نظامها يختلف

أولًا باختلاف الشعب وتركيب الجمعيات، وثانيًا باختلاف طبيعة المؤثرات التي تقع على

الجمعيات المذكورة. غير أن هذه الصعوبة حاصلة عند البحث في نفس الفرد الواحد؛

لأن الفرد لا يحيى حياة واحدة لا تتغير إلا في القصص والروايات، وغاية ما في الأمر

أن وحدة البيئة تحدث وحدة الخلق في الظاهر ليس إلا، وقد بينت في غير هذا المكان

أن في جميع القوى المدركة استعدادًا لتوليد أخلاق جديدة تظهر إذا تغيرت البيئة تغييرًا

فجائيٍّا، هكذا رأينا بين رجال الثورة الفرنساوية أفرادًا كانوا كالوحوش الضارية، وقد

كانوا في زمن السلم قضاة من ذوي الفضل أو موثقين أولي سكينة هادئين، فلما سكنت

العاصفة عادوا إلى سكينتهم، وكان لنابوليون منهم أعوان مخلصون.

ولما كان لا يتيسر لنا أن نشرح هنا نظام الجماعات على اختلاف درجاته وجب أن

يكون بحثنا في التي كمل نظامها، فنعرف حينئذٍ ما قد يؤول إليه أمر الجماعات لا ما

هي عليه دائمًا، خصوصًا إذا لوحظ أن الجماعة التي وصل نظامها إلى حد الكمال الممكن

هي التي تحدث لها صفات خاصة جديدة ترتكز على ما في مجموعها من الصفات الثابتة

التي لعامة الشعب، وهي التي تتحد فيها الإرادات، وتتجه المشاعر نحو مقصد واحد،

وهي التي يظهر فيها ذلك الناموس الذي سميته فيما تقدم ناموس الوحدة الفكرية

للجماعات.

ومن الصفات النفسية ما تشترك فيه الجماعة مع الأفراد، ومنها ما هو خاص بها

دون الفرد، وسنبدأ بالكلام على هذه الصفات الخاصة لنبين ما لها من الأهمية.

أهم ما تمتاز به الجماعة وجود روح عامة تجعل جميع أفرادها يشعرون ويفكرون

ويعملون بكيفية تخالف تمام المخالفة الكيفية التي يشعر ويفكر ويعمل بها كل واحد

منهم على انفراده، وذلك كيفما كان أولئك الأفراد، وكيفما تباينوا أو اتفقوا في أحوال

معيشتهم وفي أعمالهم اليومية، وفي أخلاقهم ومداركهم، وعلة ذلك مجرد انضمامهم إلى

بعضهم وصيرورتهم جماعة واحدة. ومن الأفكار والمشاعر ما لا يتولد أو يتحول فيخرج

من عالم القوة إلى عالم الفعل إلا عند الفرد في الجماعة، فالجماعة ذات عارضة (مؤقتة)

متألفة من عناصر مختلفة اتصل بعضها ببعض إلى أجل، كخليات الجسم الحي التي

ولدت باتصالها ذاتًا أخرى لها صفات غير صفات كل خلية منها، ورغمًا عما ذهب إليه

هربرت سبنسر ذلك العالِم الحكيم المدقق مما ندهش له، نقول: إنه لا يوجد بين العناصر

التي تتكون منها الجماعة حد وسط، وإنما الذي يوجد هو مزيج وتولد صفات جديدة،

كما يحدث ذلك في الجواهر الكيماوية، ألا ترى أنك إذا جمعت جوهرين مثل القواعد

والأحماض تولد عن اجتماعهما جسم جديد ذو خواص تخالف تمامًا خواص كل واحد

من الجوهرين.

لذلك كان من السهل معرفة الفرق بين الفرد في الجماعة وبين الفرد وحيدًا، غير

أنه يصعب الوقوف على السبب في ذلك. ولكي يقر بنا البحث من معرفة هذه الأسباب

على وجه ما ينبغي أن لا نغفل عن القاعدة الآتية التي شاهدها علماء النفس في العصر

الحاضر، وهي أن للحوادث اللاشعورية في حركة الإدراك الشأن الأول، كما أنها كذلك

في الحياة الجسمانية، وأن حياة النفس الشاعرة ليست إلا شيئًا يسيرًا بجانب حياتها

اللاشعورية، حتى إن أدق الباحثين تأملًا وأبعد المحققين نظرًا لا يسعه أن يقف إلا على

قليل من البواعث اللاشعورية التي تدفعه إلى الحركة، بل إن حركاتنا المقصودة لنا أو

الشعورية مسببة عن مجموع أسباب لاشعوري متولد على الأخص من تأثير الوراثة فينا،

وهذا المجموع يشتمل على بقايا الآباء والجدود التي لا يحصيها العد، ومنها تتألف روح

الشعب أو الأمة التي نحن منها، فوراء أسباب أعمالنا التي نقصدها أسباب خفية لا

إرادة لنا فيها، ووراء هذه أسباب كثيرة أخر أشد خفاء وأكثر غموضًا بدليل أننا لا نفقه

شيئًا منها، وجل أفعالنا اليومية صادر عن أسباب خفية تفوتنا معرفتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت