فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 102

وتفقد الإرادة ويغيب التمييز وتتجه جميع المشاعر والأفكار نحو الغرض الذي رسمه

المنوم.

تلك أيضًا على التقريب حال الفرد في الجماعة، فإنه فيها لا يبقى ذا شعور بأفعاله،

وبينما هو يعدم بعض ملكاته تشتد فيه قوة البعض الآخر اشتدادًا كبيرًا، كما هو الحال

بالنسبة للشخص النائم، فتراه عند الإشارة يندفع إلى الفعل المشار إليه اندفاعًا لا قِبل له

بمقاومته، وهذا الاندفاع هو عند الفرد من الجماعة أشد بكثير منه عند الشخص النائم؛

لأن التأثر حاصل للجميع فيشتد بالتفاعل بينهم، والذين قويت شخصيتهم فاستعصوا

على الانفعال وسط الجماعة قليلون ولا طاقة لهم بمصادمة تيار الجميع، بل الذي

يقدرون عليه هو تحويل الاندفاع إلى غرض آخر كما وقع، أحيانًا من أن لفظًا سعيدًا أو

خيالًا يمثل في الوقت المناسب أمام الجماعة يسدها عن ارتكاب أفظع الأعمال.

والخلاصة أن انكماش الذات الشاعرة وتسلط الذات اللاشاعرة واتجاه المشاعر

والأفكار بعامل التأثر والعدوى نحو غرض واحد، والأهبة إلى الانتقال فورًا من الأفكار

التي أشير بها إلى الفعل؛ هي الأخلاق الخاصة التي يتخلق بها الفرد في الجماعة، فهو لم

يعد هو، بل صار آلة لا تحكمها إرادته.

ومن أجل ذلك يهبط المرء بمجرد انضمامه إلى الجماعة عدة درجات من سلم

المدنية، ولعله في نفسه كان رجلًا مثقف العقل مهذب الأخلاق، ولكنه في الجماعة ساذج

تابع للغريزة، ففيه اندفاع الرجل الفطري وشدته، وفيه عنفه وقسوته، وفيه حماسته

وشجاعته، وفيه منه سهولة التأثر بالألفاظ والصور، مما لم يكن يتأثر به وهو خارج

الجماعة، ثم فيه الانقياد بذلك إلى فعل ما يخالف منافعه البديهية ويناقض طباعه التي

اشتهرت عنه، وبالجملة فإن الإنسان في الجماعة أشبه بحبة من رمال تثيرها الريح ما

هبت.

ذلك هو السر في أن جماعة المحلفين تصدر قرارات يردها كلٌّ من أفرادها إذا عُرضت

عليه وحده، وفي أن المجالس النيابية تسن من القوانين وتقرر من الأعمال ما يرفضه كلُّ

عضو من أعضائها بمفرده. كل واحد من رجال الثورة (كونفانسيون) الفرنساوية كان

فردًا متنورًا ذا طباع سليمة، فلما صاروا جماعة لم يحجموا عن تقرير أفظع الأعمال

حتى أسلموا للإعدام أظهرَ الناسِ براءةً من الآثام، ثم خالفوا منافعهم فتنازلوا عن حق

احترام الناس في ذواتهم، وحصدًا بذلك بعضهم بعضًا ليس هذا هو كل ما يفترق به

الفرد في الجماعة عن نفسه منفردًا افتراقًا كليٍّا، بل إنه قبل أن يفقد استقلاله الذاتي

تتغير أفكاره ومشاعره تغيرًا كليٍّا، فيصير البخيل مسرفًا، والمتردد سريع الاعتقاد، والتقي

شريرًا، والجبان شجاعًا ... هكذا قرر الشرفاء لما تحمسوا ليلة 4 أغسطس سنة 1789

الشهيرة التنازلَ عن امتيازاتهم، ومن المحقق أنه لو طلب ذلك من كل واحد منهم على

انفراده لرفضه رفضًا بتٍّا.

نستنتج مما تقدم أن الجماعة دائمًا دون الفرد إدراكًا، ولكنها من جهة المشاعر

والأعمال الناتجة عنها قد تكون خيرًا منه أو أردأ على حسب الأحوال، والأمر في ذلك

راجع إلى الكيفية التي تستفز بها، وهذا هو الذي أهمله الكُتاب الذين قصروا بحثهم في

الجماعات على جهة الشر منها، فإذا صح أن الجماعة شريرة في كثير من الأوقات، فمن

الصحيح أيضًا أنها شجاعة في أوقات كثيرة أخر، تلك حال الجماعات التي يستفزها

قوادها إلى التقاتل في نصرة الدين أو تأييد المذهب، أو يستحثونها للعمل في سبيل المجد

والفخار، فيقودونها بلا تعب وبغير سلاح لتخليص حزب لله من يد الكافرين كما في

حروب الصليبيين، أو للذود عن حومة الوطن كما وقع في سنة 1793، نعم ذلك الشجاع

لا يقر بشجاعته، ولكنها هي مادة التاريخ، فإنا لو اقتصرنا على تعداد الأعمال العظيمة

التي فعلتها الأمم وهي هادئة مطمئنة ما وجدنا من ذلك إلا يسيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت