فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 247

، فالمعدن هو مظنة حصول المطلوبِ، فإن لم يحصلْ وإلا كان المعدنُ الناقصُ الذي يحصل منه المطلوب خيرًا منه ، وأيضًا من تناقضهم أنَّهم يعظِّمونَ عائشة رضي الله عنها في هذا المقامِ طعنا في طلحة والزبير رضي الله عنهما ، ولا يعلمون أنَّ هذا إن كان متوجهًا فالطعنُ في عليٍّ بذلكَ أوجهُ ، فإنَّ طلحةَ والزبيرَ كانا معظمينِ عائشةَ موافقينِ لها مؤتمرينِ بأمرها ، وهما وهي من أبعدِ الناسِ عن الفواحشِ والمعاونةِ عليها ، فإن جاز لرافضيٍّ أن يقدحَ فيهما يقول: بأيِّ وجهٍ تلقونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنَّ الواحدَ منا لو تحدث مع امرأة غيرهِ حتى أخرجها من منزلِها ، وسافر بها مع أن ذلك إنما جعلها بمنزلةِ الملكةِ التي يأتمر بأمرها ويطيعها، ولم يكنْ إخراجُها لمظانِّ الفاحشةِ كان لنا صبيٌّ أن يقول: بأيِّ وجهٍ يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم منْ قاتلَ امرأتهُ وسلطَ عليها أعوانَهُ حتَّى عقروا بها بعيرها وسقطت من هودجِها ، وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبيةِ التي أحاط به من يقصدُ سِباءها ، ومعلومٌ أن هذا في مظنةِ الإهانةِ لأهلِ الرجلِ وهتكِها وسبائِها وتسليطِ الأجانبِ على قهرها وإذلالِها وسبيِها وامتهانِها أعظمُ منْ إخراجِها من منزلِها بمنزلةِ الملكةِ العظيمة المبجَّلةِ التي لا يأتي إليها أحدٌ إلا بإذنها، ولا يهتكُ أحدٌ سترَها ولا ينظرُ في خدرِها ، ولم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكرِ من محارمِها مثلُ عبدُ الله بن الزبير ابنُ أختها وخلوةُ ابن الزبير بها ومسُّهُ لها جائزٌ بالكتاب والسنة والإجماع ، وكذلك سفرُ المرأة مع ذي محرمِها جائزٌ بالكتاب والسنة والإجماع ، وهي لم تسافر إلا مع ذي محرمٍ منها ، وأما العسكر الذينَ قاتلوها فلولا أنه كان في العسكر محمدُ بن أبي بكر مدَّ يدهُ إليها لمدَّ يدَه إليها الأجانبُ ، ولهذا دعت عائشة رضي الله عنها على من مدَّ يدَهُ إليها ، وقالت: يدُ منْ هذهِ أحرقَها اللهُ بالنار ِ؟ فقال: أي أخيةَ في الدنيا قبل الآخرةِ، فقالت: في الدنيا قبل الآخرة، فأحرق بالنار بمصرَ ، ولو قال المشنعُ: أنتم تقولون إنَّ آل الحسينِ سُبوا لما قتلَ الحسينُ رضي الله عنه ، ولم يفعلْ بهم إلا منْ جنس ما فُعلَ بعائشةَ حيث استوليَ عليها ، وردت إلى بيتها ، وأعطيتْ نفقها، وكذلك آل الحسينِ استوليَ عليهم وردوا إلى أهليهم وأعطوا نفقة، فإن كان هذا سببًا واستحلالا للحرمة النبويةِ فعائشةُ قد سُببت واستحلتْ حرمةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يشنِّعونَ ويزعمونَ أن بعضَ أهلِ الشام طلب أن يسترقَّ فاطمةَ بنتِ الحسينِ وأنها قالت: لا ها لله حتى تكفرَ بديننا ، وهكذا إن كانَ وقعَ ، فالذين طلبوا من عليٍّ رضي الله عنه أن يُسبَى من قاتلهم من أهل الجملِ وصفينَ ،ويغنموا أموالهم أعظمُ جرمًا من هؤلاء ، وكان في ذلك لو سَبوا عائشةَ وغيرها، ثم إن هؤلاء الذين طلبوا ذلك من عليٍّ كانوا متدينين بهِ مصرينَ عليه إلى أن خرجوا على عليٍّ، وقاتلهم على ذلك وذلك الذي طلبَ استرقاق فاطمةَ بنتِ الحسينِ واحدٌ مجهولٌ لا شوكةَ له ولا حجةَ ولا فعلَ هذا تدينًا ، ولمَّا منعه سلطانُهَ من ذلك امتنعَ ، فكان المستحلونَ لدماءِ المؤمنينَ وحرمِهم وأموالِهم وحرمةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكر (عليٍّ) ، فإن الخوارج الذين مرقوا من عسكر عليٍّ رضي الله عنه هم شرٌّ من شرارِ عسكر ِمعاويةَ رضي الله عنه ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم (1) ، وأجمع الصحابة والعلماء على قتالهم، والرافضة أكذبُ منهم وأظلمُ وأجهلُ وأقربُ إلى الكفرِ والنفاقِ لكنهمْ أعجزُ منهم وأذلُّ ، وكلا الطائفتين من عسكر عليٍّ ، وبهذا وأمثاله ضعف عليٌّ وعجزَ عن مقاومةِ من كان بإزائهِ ، والمقصود هنا أن ما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير رضي الله عنهما ينقلبُ بما هو أعظمُ منه في حقِّ عليٍّ ، فإنْ أجابوا عن ذلك بأنَّ عليًّا كان

(1) - عن سُوَيْدَ بْنِ غَفَلَةَ قالَ قَالَ عَلِىٌّ - رضى الله عنه - إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا فَوَاللَّهِ ، لأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ ، وَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِى آخِرِ الزَّمَانِ ، حُدَّاثُ الأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّ فِى قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » أخرجه البخاري (6930) وحديثهم متواتر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت