فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 247

وَقَدْ حَصَلَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ مِنْ كُتُبِهِمْ تَصْنِيفُ ابْنِ الْعُود وَغَيْرِهِ . وَفِيهَا هَذَا وَأَعْظَمُ مِنْهُ . وَهُمْ اعْتَرَفُوا لَنَا بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ عَلَّمُوهُمْ وَأَمَرُوهُمْ لَكِنَّهُمْ مَعَ هَذَا يُظْهِرُونَ التَّقِيَّةَ وَالنِّفَاقَ . وَيَتَقَرَّبُونَ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ إلَى مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ . وَهَكَذَا كَانَ عَادَةُ هَؤُلَاءِ الْجَبَلِيَّةِ ؛ فَإِنَّمَا أَقَامُوا بِجَبَلِهِمْ لَمَّا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ مِنْ النِّفَاقِ وَيَبْذُلُونَهُ مِنْ الْبِرْطِيلِ لِمَنْ يَقْصِدُهُمْ .

وَالْمَكَانُ الَّذِي لَهُمْ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ . ذَكَرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ ؛ وَلِهَذَا كَثُرَ فَسَادُهُمْ فَقَتَلُوا مِنْ النُّفُوسِ وَأَخَذُوا مِنْ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ .

وَلَقَدْ كَانَ جِيرَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا مَعَهُمْ فِي أَمْرٍ لَا يُضْبَطُ شَرُّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ وَيَفْعَلُونَ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ . كَانُوا فِي قَطْعِ الطُّرُقَاتِ وَإِخَافَةِ سُكَّانِ الْبُيُوتَاتِ عَلَى أَقْبَحِ سِيرَةٍ عُرِفَتْ مِنْ أَهْلِ الْجِنَايَاتِ يَرُدُّ إلَيْهِمْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ قُبْرُصَ فَيُضَيِّفُونَهُمْ وَيُعْطُونَهُمْ سِلَاحَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقَعُونَ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَسْلُبُوهُ . وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يَفْلِتُ مِنْهُمْ بِالْحِيلَةِ ...

وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ كَانُوا أَقَلَّ صَلَاةً وَصِيَامًا . وَلَمْ نَجِدْ فِي جَبَلِهِمْ مُصْحَفًا وَلَا فِيهِمْ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ ؛ وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ عَقَائِدُهُمْ الَّتِي خَالَفُوا فِيهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَبَاحُوا بِهَا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ . وَهُمْ مَعَ هَذَا فَقَدْ سَفَكُوا مِنْ الدِّمَاءِ وَأَخَذُوا مِنْ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى .

وَكَثِيرٌ مِنْ فَسَادِ التتر هُوَ لِمُخَالَطَةِ هَؤُلَاءِ لَهُمْ كَمَا كَانَ فِي زَمَنِ قازان وَهُولَاكُوَ وَغَيْرِهِمَا ؛ فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَضْعَافَ مَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ . وَأَرْضِهِمْ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ .

وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ الرَّافِضَةَ لَا حَقَّ لَهُمْ مِنْ الْفَيْءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا جَعَلَ الْفَيْءَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"فَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ سَلِيمًا لَهُمْ وَلِسَانُهُ مُسْتَغْفِرًا لَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ .

وَقُطِعَتْ أَشْجَارُهُمْ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي النَّضِيرِ قَطَعَ أَصْحَابُهُ نَخْلَهُمْ وَحَرَّقُوهُ . فَقَالَ الْيَهُودُ: هَذَا فَسَادٌ . وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ:"مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ".

وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الشَّجَرِ وَتَخْرِيبِ الْعَامِرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ . فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَمَا أَمْكَنَ غَيْرُ ذَلِكَ .

فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَحْضُرُوا كُلُّهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي اخْتَفَوْا فِيهَا وأيسوا مِنْ الْمَقَامِ فِي الْجَبَلِ إلَّا حِينَ قُطِعَتْ الْأَشْجَارُ . وَإِلَّا كَانُوا يَخْتَفُونَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهِمْ . وَمَا أَمْكَنَ أَنْ يَسْكُنَ الْجَبَلَ غَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ التُّرْكُمَانَ إنَّمَا قَصْدُهُمْ الرَّعْيُ وَقَدْ صَارَ لَهُمْ مَرْعًى وَسَائِرُ الْفَلَّاحِينَ لَا يَتْرُكُونَ عِمَارَةَ أَرْضِهِمْ وَيَجِيئُونَ إلَيْهِ .

فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَسَّرَ هَذَا الْفَتْحَ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ بِهِمَّتِهِ وَعَزْمِهِ وَأَمْرِهِ وَإِخْلَاءِ الْجَبَلِ مِنْهُمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت