(جـ) ورع وخشية عائشة رضي الله عنها:
وأما أخبارها في الورع والخشية فكثيرة جدًّا، نذكر بعضًا منها كنموذج، فلا ريب أن الورَع هو اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات، وهو من ثمار المعرفة بالله سبحانه؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه، وقربًا منه زادت خشيتُه منه وزاد ورعه، ولا مراء أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما هيَّأ الله لها من البيئة الصالحة والنشأة الطيبة؛ كانت على مقام رفيع في المعرفة والخشية والورع.
وفي مُسندها أحاديثُ كثيرة روَتها، وهي تدل على ورعها؛ فمنها حديث منعِها عمَّها من الرضاعة أن يدخل عليها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هو عمُّك فليلِج عليكِ ) )، ومع ذلك لم تقتنع، فاستفسرت النبيَّ صلى الله عليه وسلم قائلة: إنما أرضعَتني المرأة ولم يُرضعني الرجل، فأكد لها بقوله: (( إنه عمك فلْيَلِج عليك ) ) [1] .
طلب منها النبي صلى الله عليه وسلم أن تُناوله الخُمرة (السجَّادة الصغيرة) من المسجد، فقالت: إني حائض، فقال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ حيضتك ليست بيدك ) ) [2] .
ومن ورعها رضي الله عنها أنها تحتجب من العُميان؛ دخل عليها رجلٌ أعمى فاحتجبَت عنه، فلما قال لها: تحتجبين مني ولستُ أراك؟! قالت: إن لم تكن تراني فإني أراك [3] .
عن أسماء بنت عُميس قالت:"كنتُ صاحبةَ عائشة التي هيَّأتها، فأدخلتُها على النبي صلى الله عليه وسلم في نِسوة، فما وَجدنا عنده قِرًى إلا قدحًا من لبن، فتناوله فشرب منه، ثم ناولَه عائشة، فاستحيَت منه فقلتُ: لا تردِّي يدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذَته فشربَته، ثم قال: (( ناولي صواحبك ) )، فقلتُ: لا نشتهيه، فقال: (( لا تجمعن كذبًا وجوعًا! ) )، فقُلن: إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهي؛ أيعدُّ ذلك كذبًا؟ فقال: (( إن الكذب يُكتب كذبًا، حتى الكُذَيبة تُكتب كذيبة ) )" [4] .
عن عائشة قالت: تزوَّجَني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليَّ حُوف، فما هو إلاَّ أن تزوجني حتى ألقى الله عليَّ الحياء، قال: والحوف شيءٌ يصنعه الأعراب على الصِّبيان من سور
(1) البخاري (2501) (4518) (4941) ، ومسلم (1445) .
(2) مسلم (298) (299) ، وأبو داود (261) ، والترمذي (134) ، والنسائي (1/ 156) .
(3) رواه ابن سعد في الطبقات (8/ 69) ، وصححه ابن عبد البر، وقد أخرجه الإمام مالك في موطئه، وعزاه الحافظ في التلخيص الحبير (3/ 148، 149) .
(4) رواه الطبراني في الكبير (22/ 26) ، والحميدي (1/ 179) رقم (367) .