(5) اختيارها للآخرة والصبر على شدة العيش:
موقفها من"الدنيا وزينتها":
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش حياة الزهد والرضا والقناعة؛ لأنه كان عبدًا لله ورسولًا، ولم يكن ملِكًا من ملوك الدنيا؛ فقد كان يجوع يومًا فيصبر، ويشبع يومًا فيشكر، حتى يظلَّ متقلبًا بين نعمتي الصبر والشكر، ورغم هذه الحياة البسيطة المتواضعة فقد كان يُنفق ويجود بما لديه، ولا يخشى الفقر أبدًا، وبالطبع مثل هذه الحياة المتواضعة تحتاج إلى صبر كبير، خصوصًا من النساء؛ لأنهن دائمًا يطلبن الزيادة والسَّعة في الرزق والحياة.
وذات يوم ذهبت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه يطلُبن منه النفقة وبعضًا من زينة الحياة الدنيا، فنزل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] ، ولما نزلت هذه الآيات، بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير زوجاته بين أن يمُكثن معه ولهنَّ أجر عظيم إن أحسنَّ، وبين أن يطلِّقهن فيتمتَّعن مع غيره بزينة الحياة الدنيا، وأول ما بدأ بدأ بعائشة رضي الله عنها، فقال: (( إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن تعجَلي حتى تستأمري أبويكِ ) )، قالت: وقد علم أنَّ أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: (( إنَّ الله جل ثناؤه قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] ) )إلى آخر الآية.
قالت: فقلتُ: ففي أيِّ هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواجُ النبي صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت [1] .
وهكذا تختار أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة، ثم اقتدى بها بقيةُ أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
لم تكن عائشة تعيش في قصر، ولكنها كانت حجرة صغيرة غرب المسجد، نحو ست أو سبع أذرع، جدارها من طين، وسقفها من جريد قصير حيث يناله من يَقف.
وكانت تصبر على شظف العيش فتحكي عن حياتها اليومية، فتقول:"ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز بُر مأدوم ثلاثة أيام، حتى لحق بالله عز وجل" [2] .
وفي رواية أن عروة سألها: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء [3] .
قالت عائشة رضي الله عنها:"لقد كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام"
(1) البخاري (4507) ، والترمذي (3204) ، والنسائي (6/ 55) .
(2) أحمد في الزهد (1/ 20) .
(3) البخاري (2428) ، وابن ماجه (4145) .