فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 173

قيل فيَّ ما قيل قبلَها، وقد مكثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهَّدَ ثم قال: (( يا عائشة، فإنَّه بلغني عنكِ كذا وكذا؛ فإن كنتِ بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترَف بذنبه ثم تاب تابَ الله عليه ) ).

فلمَّا قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مقالتَه قلَصَ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجِب عني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله، ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت لأمِّي: أجيبي عنِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم!

قالت: وأنا جاريةٌ حديثة السنِّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمتُ أنكم سمعتُم ما يتحدَّث به الناس، ووقَر في أنفسِكم وصدَّقتم به، ولئن قلتُ لكم: إني بريئة - والله يعلم إنِّي لبريئة - لا تصدِّقوني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة - لتُصدقنِّي! والله ما أجدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف؛ إذ قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .

ثم تحولتُ إلى فراشي وأنا أرجو أن يبرِّئني الله، ولكن والله ما ظننتُ أن يُنزِل في شأني وحيًا، ولأَنا أحقرُ في نفسي من أن يُتكلَّم بالقرآنِ في أمري، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرِّئني الله! فوالله ما رامَ مَجلسَه، ولا خرَج أحدٌ من أهل البيت حتى أُنزل عليه الوحيُ، فأخَذه ما كان يأخُذه من البُرَحاء، حتى إنَّه ليتحدَّر منه مثلُ الجُمانِ مِن العرَق في يوم شاتٍ.

فلمَّا سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحكُ، فكان أول كلمة تكلَّم بها أن قال لي: (( يا عائشة، احمَدي الله؛ فقد برَّأكِ الله ) )، فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: لا والله لا أقومُ إليه، ولا أحمد إلا الله! فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] ... الآيات.

فلما أنزل الله هذا في بَراءتي قال أبو بكر الصدِّيقُ رضي الله عنه، وكان ينفق على مِسطَح بنِ أُثاثةَ لقرابتِه منه: والله لا أنفق على مِسطح شيئًا أبدًا بعدَ ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} ... إلى قوله: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] ، فقال أبو بكر: بلى والله، إني لأُحبُّ أن يغفر الله لي، فرجَع إلى مِسطح الذي كان يُجري عليه.

وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسأل زينبَ بنت جحش عن أمري، فقال: (( يا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت