فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 173

أحدهما حجةً على الآخر.

الوجه الثاني: أن أثَر عمارٍ تضمَّن معنيَين:

أوَّلهما: قوله:"إنها زوجة نبيِّكم في الدنيا والآخرة"، وهذا نص حديث صحيح كما تقدم.

والآخر: قوله:"ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أو إياها"، وهذا قول عمار، فإن كان قولُ عمار غيرَ معارض للحديث فلا مطعَن حينئذ، وإن كان معارضًا للحديث، فالحديث هو المقدَّم.

وقصده: مغفور لها خطؤها.

وموقف عليٍّ رضي الله عنه من الحرب دليلٌ على أنه يرى أنها حربُ فتنة؛ ولهذا تمنَّى لو لم يدخُلْها، وأنه مات قبلها بعِشرين سنةً؛ وذلك لاشتِباه الأمور فيها، ولو أنَّه كان يَعتقد في مُخالفيه ما يَعتقده الرافضةُ فيهم مِن الكفر والردَّة عن الإسلام بحربهم لعليٍّ رضي الله عنه، فإنه لو كان يَعتقد فيهم هذا لما ندِمَ على قتالهم ذلك الندمَ العظيم، ولفَرِح بقتلهم وقتالهم كما ثبَت ذلك عنه بعدَ قتالِ الخوارج، مع كونه لا يَعتقد كفرهم! إلا أنه فرح بقتالهم فرحًا عظيمًا، وكبَّر الله سرورًا بقتلهم لما تأكَّد له وصفُهمُ، الذي عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك وجودُ ذي الثُّديَّة فيهم، على ما جاء ذلك مخرجًا في الصحيحين [1] .

وفي هذا أكبر ردٍّ على هؤلاء الرافضة، الطاعنين في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، المتَّهِمين لهم بالعظائم.

الوجه الثالث: أنَّ الشهادة بأنها زوجةُ النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، حكمٌ عام باعتبار العاقبةِ والمآل، وقول عمار حكم خاصٌّ في حادثة خاصة، فرجَع الحكم الخاصُّ إلى العام، وآل الأمرُ إلى تلك العاقبةِ السعيدة، فانتفى الطعن.

الوجه الرابع: أنَّ غاية ما في قولِ عمَّار هو مخالفتُها أمرَ الله في تلك الحالةِ الخاصةِ، وليس كلُّ مخالفٍ مذمومًا حتى تقوم عليه الحجةُ بالمخالفة، ويَعلم أنه مخالف، وإلا فهو معذورٌ إن لم يتعمَّدِ المخالفة؛ فقد يكون ناسيًا أو متأوِّلًا فلا يُؤاخَذ بذلك.

الوجه الخامس: أن عمارًا رضي الله عنه ما قصَد بذلك ذمَّ عائشة ولا انتقاصَها، وإنما أراد أن يبيِّن خطأها في الاجتهاد نُصحًا للأمة، وهو مع هذا يَعرف لأمِّ المؤمنين قدرَها وفضلها، وقد جاء في بعضِ روايات هذا الأثر عن عمَّار أن عمارًا سمع رجلًا يسبُّ عائشة، فقال:"اسكت؛ مقبوحًا منبوحًا، والله إنَّها لزوجة نبيِّكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليَعلم أتطيعوه"

(1) انظر صحيح البخاري (3415) ، (4770) ، ومسلم (1066) ، (1068) ، وسنن أبي داود (4770) ، والترمذي (2188) ، والنسائي (7/ 119) ، (4102) ، وابن ماجه (168) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت