فألحت، [1] فقالوا: خلأت القصواء [2] ، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل [3] » ، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة [4] يعظمون فيها حرمات الله [5] إلا أعطيتهم إياها» ، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد [6] قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش [7] لهم بالري [8] حتى صدروا عنه [9] ، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة [10] نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعدادمياه الحديبية، ومعهم العوذ [11] المطافيل [12] ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم [13] الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة [14] ، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر: فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا [15] وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي [16] ،، ولينفذن الله أمره"، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال
(1) - فألحت أَلَح البعير: إذا حَرَن، وقيل: إنما يقال ذلك للجمل، فأما الناقة فإنما يقال لها: خَلأت.
(2) - القصواء: القصواء: اسم ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم تكن قصواء، أي: مشقوقة الأذن، وإنما كان هذا لقبا لها
(3) - حابس الفيل: الفيل: هو فيل أبرهة الذي جاء يقصد البيت ليخرِّبه، فحبس الله الفيل، فلم يتقدم إلى مكة، وردَّ رأسه راجعا من حيث جاء، فأرسل الله عليهم كما قال: طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل والقصة مشهورة.
(4) - خُطة: الخطة: الحال والقضية والطريقة.
(5) - حُرُمات الله: حرمات الله: جمع حرمة، يريد بها: حُرْمة الحرم، وحرمة الإحرام، وحرمة الشهر الحرام.
(6) - ثَمَد: الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له.
(7) - يجيش جاشت البئر بالماء: [إذا] ارتفعت وفاضت، وجاشت القِدر: إذا غَلَت.
(8) - بالرِّي الريُّ: ضد العطش.
(9) - صَدَروا الصَّدَرُ: الرجوعُ بعد الورود
(10) - عَيْب أعداد مياه: الماء العدُّ: الكثير الذي لا انقطاع لمادته، كماء العيون، وجمعه: أعداد ة نُصح يقال: فلان عيبة نُصح فلان: إذا كان موضع سره وثقته في ذلك.
(11) - العُوذ: جمع عائذ: وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى وَلَدها.
(12) - المطافيل: جمع مُطفِل، وهي الناقة معها فصيلها، فاستعار ذلك للناس، أراد به النساء والصبيان
(13) - نَهَكَتهم الحرب: يقول: نهكته الحرب تنهكه، أي: أضرت به وأثرت فيه، من نَهْك الحُمَّى، وهو ألمها وضررها.
(14) - ماددتهم: ماددتَ القوم، أي: جعلت بينك وبينهم مُدَّة.
(15) - جَمُّو: استراحوا، والجمام: الراحة بعد التعب.
(16) - سالفتي: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها كناية عن الموت؛ لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت