قال النووي: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ كَثِيرُ الْآلَامِ فِي بَدَنِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، وَذَلِكَ مُكَفِّرٌ لِسَيِّئَاتِهِ، وَرَافِعٌ لِدَرَجَاتِهِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَلِيلُهَا، وَإِنْ وَقَعَ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يُكَفِّرْ شَيْئًا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، بَلْ يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كامِلَةً» [1] .
? مثلهم في تذبذبهم كالشاة العائرة:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: {مَثَلُ الْمُنَافِقِ، كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً} [2] .
والشاة العائرة: أي الحائرة المتردِّدة، ومنه سهم عائر: لا يُدرَى مَن رماه، والعائرة: أي السَّاقطة لا يُعرَف لها مالكٌ.
فالمنافق كالحِرباء المتلوِّنة، لا يعرف لها لون. قال الله تعالى: ... {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} (النساء: 143) .
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) } (البقرة) .
? مثلهم كالريحانة إن قرءوا القرآن، وكالحنظلة إذا لم يقرءوه:
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ} [3] .
فالنبي صلى الله عليه وسلم شبَّه المنافق حين يقرأ القرآن بالريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرٌّ، لأنه يقرأ القرآن ولا ينتفع به، وقد ينتفع به الآخرون المستمعون له، كما تفوح رائحة الطيب من الريحان، ولكنه في ذاته لا يُنتفَع به لكونه مُرًّا.
وشبَّه المنافق الذي لا يقرأ القرآن بالحنظلة، طعمها مُرٌّ ولا ريح لها، والحنظل يضرب به المثل في المرارة، ولذلك شبَّه المنافق به.
إذن .. فهم يقرؤون القرآن، ولكنهم:
1.لا يتقبل منهم. ... 2. لا يؤثر فيهم ولا يُغير.
(1) شرح النووي على مسلم (17/ 153) .
(2) سبق تخريجه، ص (85) .
(3) أخرجه البخاري: ك: الأطعمة، ب: ذكر الطعام، ح (5427) ، ومسلم: ك: صلاة المسافرين وقصرها، ب: فضيلة حافظ القرآن، ح (797) .