وهذا عدي بن حاتم يقول: ما جاء وقت صلاة إلا وأنا إليها بالأشواق، وما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا لها مستعد.
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس العلية، فهزها النداء العلوي الرخيم، فهبت من رقدتها وراحتها الجسدية، إلى راحة روحية سامية، ولذلك كان سعيد بن عبد العزيز إذا فاتته صلاة الجماعة بكى.
إن أهل الصلاة يهتفون منذ السحر: يا من تجدون راحتكم في الاستماع إلى نغمات قينة، وتستمعون برقصات فاجرة، وتتلذذون بشربة جنون، وتهيمون بنظرة كالسهم، إنها والله راحة موهومة، تشبه راحة الأجرب حين يحك جسده، توهمه بالراحة، ولكنها تشق جسده، وتطيل أمد شفائه، ولكن تعالوا إلينا في محاريبنا، فنحن في راحة نتمنى أن تذوقوها معنا، حتى إن أبا رجاء العطاردي يقول: ما أنفس على شيء أُخَلِّفُه بعدي إلا أني كنت أعفر وجهي في كل يوم وليلة خمس مرات لربي عز وجل.
إنه لا يندم على شيء يفوته إلا على أنه لا يستطيع أن يصلي كما كان يصلي، ولذلك كان ميمون بن مهران إذا فاتته الجماعة في المسجد قال: إنا لله وإنا إليه راجعون .. يعدها من المصائب العظام، وبعضنا اليوم يفوت الجماعة لأمر يسير وشغل قليل من أشغال الدنيا، وربما حزن أحدنا على فوات شيء من المال، ولم يتمعر وجهه حزنا على فوات أجر الجماعة، وما ذلك إلا من اختلال الموازين، وضعف استحضار الآخرة في النفوس، ولو تحولت الطاعة إلى حب، يمتلك سويداء القلب، لما أطاق الإنسان ضياع صلاة واحدة، يقول أحد الشعراء على لسان شيخ مسن منعه الكبر والمرض عن أداء الصلاة في الجماعة، وقد هل رمضان [1] :
رمضان أقبل والجناح كسير ... والدمع مثل الجرح في غزير
رمضان هل وكحلت بهلاله ... مقل وطرفي خاسئ وحسير
وتباركت مهج به وتواصلت ... وأنا على وجع الفراش أسير
حتى إذا بسمت مآذن مسجد ... وأطل من شرفاتها التكبير
لبت عزيمتي الندا وتوثبت ... تبغي البيان فخانها التعبير
فتكاد تصرخ في كل بنانة ... ويكاد قلبي من أساي يطير
(1) للشاعر محمود بن سعود الحليبي في ديوانه أشواك على طريق الأمل.